شكلت الانتخابات الرئاسية الايرانية الاخيرة فرصة اختبار وجهة الشارع الايراني ومزاجه السياسي في هذه الايام. هذا في ظل القبضة الحديدية التي اشتدت اثر الانتخابات الرئاسية في العام 2009، ومع انطلاقة الثورة الخضراء، التي افضت برموزها الى السجن او الاقامة الجبرية، والحصار والعزل. وقد كان مرشد الجمهورية الاسلامية، الذي خاض آنذاك بشكل صريح وعلني معركة المرشح الى ولاية ثانية محمود احمدي نجاد، اعطى الضوء الاخضر لخنق الثورة التي وصفت حينها بـ" مؤامرة غربية على ايران"، رافضا كل اتهامات مرشح الاصلاحيين مير حسين موسوي عن تزوير الانتخابات لصالح أحمدي نجاد.
ماذا كشفت هذه الانتخابات في نظام ولاية الفقيه الذي يحدد سقف الرسالة الشعبية والتي يبقى المرشد وصلاحياته فوقها؟ وهي اشكالية بنيوية في تركيبة النظام نفسه. خصوصا انّ الشارع الايراني ونخبته الفكرية والدينية لطالما شكلت، ولا تزال، هذه الاشكالية محور مساهمات سياسية وفكرية تغني المشهد الايراني. لذا فالرسالة الشعبية في مسارب النظام يمكن ضبطها والتحكم بها، واحيانا امتصاصها، كما حصل مع تجربة الرئيس محمد خاتمي عندما نجح في انتخابات العام 1997 بمفاجأة تتجاوز ما حصل مع فوز المرشح حسن روحاني اليوم.
للإجابة، واستنادا إلى أكثر من خبير في المشهد الايراني من داخل ايران وخارجها، يمكن استخلاص فوز المرشح حسن روحاني وفق الآتي:
– توسعت جبهة الإصلاحيين لتضم وسطيين وجزءاً من المحافظين، فأدّت الى فوز روحاني، فيما جبهة المحافظين تتفكك ومنقسمة على ذاتها، وهذا ما كشفه وجود 4 مرشحين من هذا التيار في سباق الرئاسة. واظهرت ان حلقة المحافظين الممسكين بالسلطة ضاقت، ولا حماية الا من الحرس الثوري.
– لم تكن المعركة الانتخابية كما السابقتين معركة ايديولوجية، بل سياسية بامتياز. لم تظهر شعارات المقاومة وصور زعيمها حسن نصرالله في اي من حملات المرشحين المحافظين، كما كان الحال في العام 2009 في حملة احمدي نجاد الانتخابية.
– اظهرت خيارات الناخب الايراني ارادة واضحة من ان الشعب يريد الخروج من المأزق السياسي والاقتصادي الذي تعيشه ايران بسبب سياسات النظام الخارجية والداخلية، ما جعل ايران في اختناق داخلي، اقتصادي وسياسي.
– اسقطت الانتخابات مقولة المحور الجديد الذي بشر به النظام على مستوى العالم. فالشعب الايراني قال بوضوح: نريد ان نتصالح مع العالم، وهذه السياسات التي اعتمدها المحافظون لا تمثلنا ولا تعكس تطلعاتنا. والذين يعرفون الشعب الايراني يؤكدون ان تكوينه الثقافي ذو ميل غربي ولم تشكل الكتلة الشرقية (روسيا – الصين) تطلعا له في يوم من الايام.
– فتحت الانتخابات كوة في جدار سميك بناه النظام مع دول الخليج والعالم الاسلامي السني عموما في عهد الرئيس أحمدي نجاد. فالاصوات في ايران تتزايد للتصالح مع دول الخليج والعالم العربي، والتصالح مع المزاج السني عموما. هذا وسط مزاج عربي ناقم ومزاج سني غاضب على سياسات ايران في العالم العربي.
– رغم ان سلطة ولاية الفقيه تقع في حلقة مغلقة داخل النظام لا رأي للشعب فعليا بها، ولا تستمد مشروعيتها منه، إلا أنّها تتحكم بالنظام والسلطة في ايران، وهي سلطة اعلى من سلطة الشعب. ورغم هذه الولاية، إلا أنّ النظام من الصعب ان يتنكر إلى رسالة الشعب الجديدة، وإلا فهو يتوجّه الى مزيد من التآكل، مع تحول الحرس الثوري إلى شبكة مصالح قابضة على الاقتصاد الايراني. إذ صار اشبه بأنظمة الاستقلال العربي التي رفعت شعارات التنمية والرفاه والبناء، وما لبثت ان تحولت الى نخبة تحمي نفسها من الشعب بالسلطة والمال والاستخبارات.
– تحدث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عشية الانتخابات الايرانية، وقال: نصف العالم معنا ومع ايران. في اليوم التالي كشف الشعب الايراني انه خارج الاعتبارات الايديولوجية التي يتحدث عنها السيد خامنئي في ايران والسيد نصرالله في لبنان. "نصف العالم مع الجمهورية الاسلامية الايرانية"، قال نصرالله، لكنّه نصف بلا مسلمين ولا عرب. والشعب الايراني يتطلع الى صداقة مع من يملك 80 في المئة من قوة العالم الاقتصادية، اي اوروبا واميركا والعالم العربي والاسلامي.
– حسن روحاني وصف بكلمات بسيطة فوزه بالرئاسة: "الانتصار لمنطق العقلانية والاعتدال والوعي والالتزام والتدين ضدّ التطرف وسوء الاخلاق". لم يكن روحاني يتحدث عن الغرب بل عن من خسر الانتخابات. علّ الرسالة تصل…

