ليس في الأفق ولا على الأرض نافذة فرصة مفتوحة لتسوية تاريخية في لبنان. فلا التسوية التي قادت اليها حرب لبنان هي التي تحكمه أو حالت دون التحكم به وتوليد أزمات جديدة على سطح الأزمة البنيوية في النظام. ولا ارتباط الوضع اللبناني بحرب سوريا وصراع المحاور في الشرق الأوسط وعليه مسألة محصورة بما يدور عبر الحدود أو من النوع القابل لفك الارتباط بالمواعظ الداخلية والخارجية التي يصعب ان تغطي صدام المصالح والخيارات المتشابكة. والسؤال – التحدي أمامنا هو: هل هناك فرصة للتفاهم على ترتيب مرحلي موقت بالحد الأدنى للحفاظ على رأس لبنان عائماً فوق المياه في فيضان التحولات الخطيرة من حوله؟ وكيف نوظف الإجماع على التكيّف في التأليف؟
رحلة الإجماع كانت قصيرة. فالرئيس المكلف تمام سلام اصطدم بالفارق بين تصوره للحكومة بالتفهم والتفاهم مع قوى ١٤ آذار وبين صورة الحكومة التي تطلبها قوى ٨ آذار وتختلف عن صورة الحكومة التي أمسكت بها على مدى عامين. والقوى الخارجية المؤثرة اكتشفت ان زحام الأدوار لم يتبدّل كثيراً وان تغيير موازين القوى ليس سهلاً. والكل يتصرّف على أساس ان الخلاف على قانون الانتخاب جزء من اللعبة في صدام الخيارات السياسية بالنسبة الى ادارة السلطة والمواقع فيها والى اتجاه لبنان وموقعه على خارطة الصراع الجيوسياسي في المنطقة. وهو صراع لم يعد محصوراً بالصراع العربي – الاسرائيلي بمقدار ما صارت الأولوية فيه للصراع بين محور ايراني – عربي ومحور تركي – عربي وفوقهما صراع المصالح بين روسيا والصين من جهة وأميركا وأوروبا من جهة أخرى.
لكن بداية الامتحان هي الموقف من الانتخابات. اذا كان الكل يريد بالفعل الذهاب الى الانتخابات، فإن تأليف الحكومة سهل. واذا كان القرار الحقيقي للقوى الأساسية هو اللاانتخابات، فإن التأليف عملية معقدة وصعبة.
والظاهر انه لا مجال لأن تأخذ التركيبة السياسية اجازة موقتة من السلطة لاجراء الانتخابات من اجل تكوين السلطة. فلا معنى لحكومة انتخابات من دون انتخابات. ولا معنى لحكومة وحدة وطنية من دون وحدة وطنية.
ومن الطبيعي أن يسأل كثيرون: من يحدد المصلحة الوطنية التي هي عنوان الحكومة حسب الرئيس المكلف. لكن من غير الطبيعي أن نتجاهل كون الانتخابات كاستحقاق دستوري في هذه المرحلة من الأولويات في المصلحة الوطنية. والجمع بين المصالح الفئوية الضيقة لن يصنع مصلحة وطنية.

