يرى قطب سياسي بارز أنّ المرحلة الراهنة بعد استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، هي مرحلة البحث في سُبل تجنيب البلاد تداعيات التعقيدات الإقليمية الكبرى التي ستشهدها الاشهر القليلة المقبلة.
ولذلك، تركّز الاتصالات والمشاورات الجارية على تأليف حكومة جديدة تليق بالوضع الراهن وتكون قادرة بكلّ مكوّناتها على تحمّل أعباء المرحلة، وتحصين الوضع الداخلي بما يحفظ استقرار البلاد ويخرجها من دائرة التشنّج السياسي والمذهبي والطائفي الناتج من تداعيات الازمة السورية.
ويقول هذا القطب البارز إنّ لبنان في هذه الحال يحتاج الى "حكومة وازنة" يشارك فيها الجميع ولا تكون حكومة فريق واحد، حتى تتمكن من مواجهة التعقيدات الإقليمية التي ستتصاعد في قابل الايام، وصولاً الى لقاء القمّة المقرر خلال النصف الثاني من حزيران المقبل بين الرئيسين الاميركي والروسي باراك اوباما وفلاديمير بوتين، ويمكن ان تستمر في التصاعد في حال تمّ تأجيل هذه القمة الى ايلول المقبل، وفق ما بدأ يتردد.
وحتى تتكوّن هذه الحكومة وازنة ومن دون أيّ تسميات، ينبغي، في رأي القطب السياسي نفسه، أن تُختار لرئاستها شخصية سياسية تحظى بقبول غالبية الأطراف السياسية، وتكون قادرة على التعاطي مع القضايا المطروحة وفي مقدّمها استحقاق الانتخابات النيابية الذي ينبغي ان يكون أساس برنامجها الوزاري، إن لم يكن البند الأوحد، خصوصاً اذا كانت هناك رغبة جدية في إجراء الانتخابات قريباً، بحيث تضطلع هذه الحكومة التي ينبغي أن يشارك الجميع فيها، ما خلا مَن يستبعد نفسه عن المشاركة فيها، بمهمة وضع قانون انتخابي توافقي، ثم تشرع في إجراء الانتخابات النيابية على أساسه من دون إبطاء، بعد تمديد ولاية مجلس النواب تقنياً لبضعة اشهر فقط، في حال تأخرت ولادة هذه الحكومة وتأخر التوافق على القانون الانتخابي العتيد عن التاسع من حزيران المقبل موعد إجراء الانتخابات، أو العشرين منه موعد انتهاء الولاية النيابية.
ويضيف القطب نفسه ان على الأفرقاء السياسيين ان يتواضعوا في الاسماء التي يرشحونها لرئاسة الحكومة الجديدة، وكذلك في مطالبهم من المقاعد الوزارية وغيرها، لأنّ المطلوب من الجميع، ومن هذه الحكومة نفسها، الحفاظ على الاستقرار وتجنيب لبنان تداعيات التعقيدات الاقليمية، لأن المرحلة ليست مرحلة تحقيق مكاسب سياسية وغير سياسية، وانما هي مرحلة أن يتنازل الجميع لمصلحة البلاد واستقرارها.
ويشير القطب الى أن تمديد ولاية مجلس النواب ستطرح فعلياً قبل انتهاء ولاية المجلس الحالي وتعذر إجراء الانتخابات في موعدها، وهذا التمديد يمكن إقراره بأكثرية أصوات الحاضرين في جلسة يعقدها المجلس لهذه الغاية، وسيتحدد هذا التمديد ما اذا كان تقنياً لأشهر او دستورياً لسنة او اكثر في ضوء الاتصالات الجارية للاتفاق على رئيس الحكومة الجديدة وطبيعتها ومواصفاتها، بحيث يكون عمرها لأشهر اذا اتُفق على إجراء الانتخابات خلال اشهر، او تكون لأكثر من ذلك في حال تعذّر الاتفاق على قانون الانتخاب قريباً، ولكن في النهاية إن التمديد لمجلس النواب هو تمديد أيّاً كانت مدته، فإذا لم يكن تقنياً لأشهر، فهو حكماً سيكون لسنة او سنتين، علماً انّ البعض يقترح ان يكون حتى انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في أيار من السنة المقبلة.
غير انّ هذا القطب يخشى من ان يطول أمَد الاستشارات لتأليف الحكومة بضعة اشهر، على غرار ما حصل مع الرئيس الراحل رشيد كرامي الذي استقالت حكومته في نيسان من ذلك العام وأُعيد تكليفه لتأليف الحكومة الجديدة، فاستمر رئيساً مكلّفاً ورئيس حكومة تصريف اعمال لمدة ثمانية أشهر حتى تسنّى له تأليف حكومته.
وحتى الآن، إنّ المؤشرات تدلّ الى أنّ القوى السياسية المكوّنة للأكثرية النيابية الحالية تتجه الى إعادة تسمية ميقاتي لتأليف الحكومة الجديدة، حيث تتقاطع المواقف على اعتباره الشخصية المناسبة للمرحلة في ظلّ عدم رغبة الرئيس سعد الحريري في عدم العودة الى السلطة واستمراره مع حلفائه في فريق 14 آذار في اقتراحهم تأليف حكومة تكنوقراط حيادية لإجراء الانتخابات، وهم باشروا البحث في الاسم اللازم لتوَلّي رئاسة هذه الحكومة.
ومن المنتظر أن تتضِح صورة الاستحقاق الحكومي وما سيؤول اليه عشيّة الاستشارات النيابية المقبلة التي سيجريها رئيس الجمهورية يومي الجمعة والسبت المقبلين لتسمية الرئيس المكلف تشكيل الحكومة، بحيث تكون كل القوى السياسية قد حسمت خياراتها النهائية.

