ماذا يعني "انتقال" شبح اشعال الفتنة المذهبية وتمركزها خصوصا الى صيدا، العنق الاشد حساسية ديموغرافياً وجغرافياً لبوابة الجنوب؟
صيدا في الخلفية التاريخية الاكثر توهجا في الذاكرة اللبنانية اشعلت شرارة حرب 1975 وكانت في مقدماتها. ولعل المفارقة المستعادة في عودتها الآن الى عين العاصفة، انها تشكل مشروع "خط تماس" للاحتقان المذهبي المسلح فيما تستأثر بيروت بوهج تصاعد الازمة المطلبية الاجتماعية عبر غليان نقابي على غرار ما كانت عليه ثورة الفقراء عشية حرب 1975 التي تفجرت في صيدا.
مكمن الخطورة الكبيرة يمثل بقوة، إذاً، في اختبار لم يترك الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ادنى شك حيال تعاظم خطره حين وجه تهديدا واضحا لا لبس فيه، ومن دون قفازات، الى من اعتبرهم ذوي "الحسابات الخاطئة".
ومعنى ذلك ايضا، في البعد الاشد خطورة لخطر الفتنة ان يتزامن الاقتراب من برميل البارود مع ملامح الانهيار المحقق لكل محاولات تعويم التوافق على قانون الانتخاب، بحيث يشكل خطر الفتنة الزاحف السند الواقعي الرديف لتشريع تأجيل الانتخابات متى استحال العثور على حجة قانونية ودستورية للاطاحة بالانتخابات.
ترانا في هذا المشهد المأزوم الطالع امام تحويل المدن الساحلية الثلاث الكبرى مشاريع بؤر جاهزة. طرابلس ترتعد مجددا امام شائعات الإعداد لجولة القتال الخامسة عشرة مع مرويات عن تسليح "من فج وغميق". وبيروت العاصمة تموج بهدير الازمة المطلبية والاجتماعية فتنام على هم الكواليس المعتملة بأزمة الانتخابات لتستفيق على هم الازمات المتناسلة للناس وسط لا حكومة ولا دولة واستشراء حالة الانهيار في كل شيء.
وصيدا تخطف الاضواء مع ارتسام ملامح جغرافيا فتنوية تنذر باستجرار القتال المذهبي الى البقعة "المقتل" للاختلاط السني – الشيعي وعبرها الى سائر مناطق الاختلاط المشابهة، واين منها حينذاك اشباح استعادات لـ7 ايار 2008 و13 نيسان 1975 وكل الكوابيس القديمة والجديدة "ذات الصلة".
يجري ذلك والحدود اللبنانية – السورية تصدر الى الداخل اللبناني شحنات التوتر المذهبي العالي عبر "التورطات" المفتوحة في الحرب السورية من جهة وتدفق موجات النازحين الذين توقفت "العدادات" عن احصائهم وباتت اعدادهم ترد في زلات ألسنة المسؤولين مزاوجة ما بين النصف مليون والمليون. وما ادراك ما في هذا الواقع المرعب "الناقل" معه كل اشباح جيش النازحين ومتفجراته الفائضة على برميل البارود اللبناني؟
كيف ترانا لا نصدق، إذاً، ان الفتنة على الابواب وهي تعتمل في قلب الدار؟ ام لعلنا سنصدق ان "دولة" ولدت فجأة بعد اجتماع المجلس الاعلى للدفاع وشربت حليب السباع وقررت القبض على عنق الفتنة؟

