“الداتا”..الانتخابية!

تأخر كثيراً صاحب الانتفاضة قبل أن يصل إلى حيث يقف غيره منذ سنوات. وقبل أن ينتبه أخيراً إلى قصة "داتا" المعلومات وتأثيراتها الخطيرة على عمل الأجهزة الأمنية الرسمية وتحقيقاتها في الإجرام العادي والسياسي، المسبقة واللاحقة.
انتبه أخيراً.. أو قرّر الآن، عشية الانتخابات النيابية ومتطلباتها، أن ينتبه إلى ذلك! لكن طالما انه فعل، فما عليه سوى أن يقدّم اعتذاراً علنياً صريحاً وواضحاً إلى قوى 14 آذار التي تبيّن انها كانت ولا تزال، محقّة في قضية المطالبة بإعطاء تلك "الداتا" إلى الأجهزة الأمنية، والتي من دونها ما كانت لتتمكّن سابقاً، ولن تتمكن لاحقاً، من إحراز أي تقدم جوهري في عملها وتحقيقاتها بالجرائم الكبيرة والصغيرة على حد سواء، وبتلك التي طاولت الرموز السيادية والاستقلالية خصوصاً.
غير ان المسألة هذه المرة خطيرة واستثنائية. إذ ان ميقاتي كان هو (ولا يزال)، ولا أحد غيره، رئيساً للحكومة عندما دخلت البلاد في "النقاش" بين قادة الأجهزة الأمنية ومعها القوى السيادية من جهة، والحكومة عموماً ووزير الاتصالات نقولا صحناوي ومن خلفه وأمامه وحوله كل وزراء 8 آذار خصوصاً من جهة ثانية، في شأن "الداتا".. وكان ميقاتي على ما يُظن، مطلعاً بشكل تام وكافٍ وافٍ، على موقف الأمنيين، وفي مقدمهم اللواء الشهيد وسام الحسن من الموضوع. وبرغم ذلك، لم ينتفض ولم "يضرب يده على الطاولة" ولم ينفعل، ولم يحمّل الوزير العوني المسؤولية! بل أكثر من ذلك، قضى اللواء الحسن في جريمة، كان حجب "الداتا" أحد شروطها ومتطلباتها التنفيذية المسبقة، ولم يُسمع لرئيس الحكومة ذلك الموقف الطنّان الرنّان والصاخب الذي يتخذه راهناً!
يقرّر ميقاتي الآن، انه "مسؤول. وعليّ واجب سلوك كل الطرق المؤدية إلى حفظ أمن لبنان واستقراره (…) وان لرئيس الحكومة صلاحياته وقراره في كيفية إعطاء "الداتا"(…). وهذه مسؤوليتي"… طالما ان الأمر كذلك، فلماذا لم يتخذ المواقف ذاتها عندما كان قادة الأجهزة الأمنية، وتحديداً، اللواء أشرف ريفي والشهيد اللواء الحسن يحذّران من خطورة حجب "الداتا" في ضوء المعلومات الخطيرة عن استهدافات لشخصيات وقيادات معروفة وبالاسم؟!
..عندما حملّته 14 آذار وزر دم اللواء الحسن ودعته إلى تحمّل مسؤولياته، ملأ الدنيا ضجيجاً وصخباً وتسريباً، ولم يترك تهمة إلا وألصقها بها.. ثم أخذ من تحرك ميداني طاش قليلاً، حجّة للنكوص والتهرّب من اتخاذ الموقف الصحيح! بل ويتذكر كل الناس، انه مرّر خبرية تقديم استقالته إلى رئيس الجمهورية، والتي تبيّن انها غير صحيحة على الإطلاق!
وها هو اليوم يصحو ويصيح! وكلامه خطير جداً ويحمّل وزيراً في حكومته تبعات ضخمة وكبيرة إزاء الجرائم التي حصلت ويمكن أن تحصل في "عهده"! وبربط ذلك كله بـ"حفظ أمن لبنان واستقراره"! علماً ان لا جديد يُذكر في كل تلك المناحة. إذ إن أمن لبنان واستقراره في خطر كبير منذ سنوات وسنوات! ومعروف مصدر ذلك الخطر. كما معروفة أهدافه وضحاياه! ومنذ سنوات وسنوات، والسيبة راكبة على ميزان مكسور: ناس تُقاتل وتُقتل. وناس تُقتل بالاتهام والافتراء والتخوين.. وكل أنواع الأسلحة الفتّاكة!
ثم في الإجمال والتفصيل، إذا كان ميقاتي محقّاً و"صادقاً" (!) في الكلام عن "صلاحياته" ومسؤولياته، فإنه هو، وانطلاقاً من كلامه ذاك مباشرة، يتحمّل مسؤولية أكبر وأخطر من مسؤولية الوزير العوني! أين كانت "صلاحياته" قبل الآن ولماذا لم يستخدمها؟ وأين كانت الطاولة ولماذا لم ينزل بقبضته عليها!؟
..يصحّ الاستنتاج، بأن مسيو ميقاتي يتبادل "داتا" انتخابية مع النائب ميشال عون، لا أكثر ولا أقل!

السابق
ضبط مخدرات بسيارة مزورة المستندات باسم النائب حرب
التالي
جولة بيئية في إيطاليا لوفد بلديات جبل عامل