رجال الدولة


محظوظ الشعب التونسي… عنده رئيس حكومة اسمه حمّادي الجبالي قرر أن حكومته اغتيلت سياسياً مع اغتيال المعارض شكري بالعيد. ومن طبيعة الأمور أن تستقيل وأن يسعى إلى تشكيل واحدة تكنوقراط، وإذا فشل فليفتشوا عن غيره! لأن تونس ومسيرتها وأمنها وسلامها ودماء أبنائها، أغلى وأهم وأبقى من النفوذ السياسي، وأكبر من الطموحات الشخصية!
والجبالي هو رئيس حكومة، يملك الجزء الأكبر منها ومن قرارها، حزب "النهضة".. الحزب الذي هو جزء منه وليس ضيفاً طارئاً عليه. ولا طارئاً على أجهزته وبنيته وأنظمته وفكره. واتخذ موقفه برغم معارضة مرشد الحزب ومؤسسه راشد الغنوشي لذلك… ولم يتردد الاثنان في إعلان خلافهما وبثّه على الناس!
الريادة التونسية بهذا المعنى مستمرة. بدأت مع محمد البوعزيزي وتستمر مع الجبالي. وهي في أساسها بنت وفيّة لأب هو الناتج الطبيعي لأداء مدني حداثي في الممارسة السياسية والثقافية والاجتماعية تراكم على مدى أكثر من نصف قرن مع عهد بورقيبة واستمر مع عهد بن علي. برغم أن الأخير كان يوصم بأنه أمني يرأس نظاماً أمنياً! وبرغم أن تونس "ترعرعت" بعد الاستقلال في ظل حكم الحزب الواحد!
المهم الآن، أن رئيس حكومة الحزب الحاكم قرر أن اغتيال أحد قادة المعارضة هو الذي يهدد الأمن القومي والسلم الأهلي لبلاده، وليس ردّ فعل المعارضة، الطبيعي على الجريمة. لم يقل كلاماً كبيراً لتغطية طموحاته الصغيرة! ولم يدّعِ "الحرص على الاستقرار ودرء الفتنة" لتغطية الاستمرار في دكّ ذلك الاستقرار وإنتاج تلك الفتنة من خلال انتهاك المسلّمات الوطنية والسكوت عن هدر دم الأخصام! ولم يتحصّن خلف حزبه برغم أنه لم يأت إلى السلطة بالانقلاب إنما بالفوز في الانتخاب! ولم يعتبر المواقف التي تحمّل السلطة مسؤولية ما حصل، استغلالاً سياسياً رخيصاً! ولم يتنصّل من وزر الدم المراق! ولم يتهم المعارضة بسقط الكلام، كما لم يدّعِ تنكب أدوار بطولية ومهمات تاريخية في زمن الخراب ولحظة المأساة! بل قال بكل هدوء وبساطة إن بلاده أغلى من منصبه. وإن حمايتها لا تتم من خلال التفرج على فتح باب الجريمة السياسية. وإن حفظ تراثها السلمي واجتماعها المدني وصون دستورها، أهم بكثير من "دستور" النهضة وبرنامجها ومن سيطرتها على السلطة التنفيذية!
لو كانت الجريمة تتصل بشخصية "موالية" لكانت الاستقالة نكوصاً وليس ريادة، وهروباً وليس بطولة! لكن لأنها استهدفت خصماً سياسياً معارضاً، فهي في ذاتها، إدانة تامة لصاحب السلطة!
يحترم نفسه الجبالي. ويتطلع إلى مصلحة بلاده وليس إلى مصلحته الخاصة والشخصية. وينكر أهواء وطموحات حزبه ورعاته، فداء طموحات وأهواء وأمن وأمان وسلام أهل بلده في مجملهم.. هكذا يكون رجال الدولة. وإلاّ لا كانوا ولا كانت دولة!

السابق
رئيس الاركان الاميركي مع تسليح المعارضة السورية
التالي
عن غزوات عون للشارع المسيحي..!