اولويات لا بد منها للحماية من الانقسامات وضمان الاستقرار

يبدو الاستقرار في لبنان مرتبطاً بالأزمة في سوريا، غير ان سقوط النظام السوري ليس العنصر الوحيد الذي يؤثر في الوضع في لبنان. فنتائجه على الساحة الداخلية لن تتخطى إطار الصراعات التي يعانيها الوضع السياسي غير انه سيضاعفها.

تعتبر أوساط ديبلوماسية فرنسية انه قبل التوصل الى الاستقرار في سوريا فإنها ستعيش فترة طويلة ينعدم فيها الاستقرار من جراء الصراع الذي ستشهده بين المنظمات الإسلامية والعلمانيين. وبعد ذلك ستعيش تمزقاً بين "الإخوان المسلمين" الذين يحتلون اليوم الساحة سياسياً وعسكرياً والمنظمات السلفية.
قبل سنتين تقريبا توقع العديد من المراقبين والمحللين سقوطاً سريعاً لنظام الرئيس السوري بشار الأسد وسط انعدام تام لأي حل سياسي. وفي السياق يمكن اعتبار ان الرئيس الأسد اصبح ضعيفاً ويفقد السيطرة أكثر فأكثر على عدد من المناطق السورية، غير انه ما زال يحظى من ناحية بدعم روسيا والصين وإيران، ومن ناحية أخرى بموقف أميركي يمكن وصفه بانه "مائع"، وفرنسا من داخل المجموعة الأوروبية هي الوحيدة التي اتخذت موقفا صريحا لمساعدة المعارضة السورية على تنظيم قواها.
ولا تنكر هذه المصادر ان المعارضة السورية غير منظمة ويوجد توترات بين العلمانية والمجموعات الجهادية التي دخلت الساحة السورية بمساعدة عدد من الدول الإقليمية، وقد حصلت على أسلحة من ليبيا. والعناصر التي تشكل هذه المجموعات تقاتل أيديولوجيا من اجل إسقاط النظام من حيث المبدأ.
اما بالنسبة الى الوضع الديبلوماسي فان الخلافات نشبت، حول تفسير اتفاق جنيف قبل ان يجف حبره، وهذا الغموض شل إمكان تطبيق هذا الاتفاق ومنع تحديد المتحاورين. ويمكن ان نعتبر ان الوضع مقيد ويمكن ان يدوم التقييد طويلا.
اما من الناحية العسكرية، فان قوة النظام مبنية من جهة على ترك الصراع يحتدم بين "جبهة النصرة" ومتطرفين آخرين ومنشقين عن الجيش السوري ومن جهة أخرى الاتكال على جيش مجهز بإمكانات كبيرة تمكن حتى الآن من المحافظة على مركزه في دمشق.
في هذا السياق ما هي الارتدادات السورية على لبنان؟
تقول المصادر نفسها ان هناك ثلاثة عوامل تؤثر في الوضع الداخلي في لبنان. أولا الوضع السياسي داخل البلد المنقسم بين الأفرقاء المؤيدين للنظام السوري وأهمهم"حزب الله" الذي يشارك في المعارك داخل سوريا الى جانب الجيش النظامي والأفرقاء الآخرين ومنهم "تيار المستقبل" الذي يدعو الى سقوط نظام الأسد. ثانيا عدد النازحين السوريين الذي تخطى وفقاً للمسجلين رسمياً الـ ٢٢٠ ألف نازح، بالإضافة الى اللاجئين الفلسطينيين الذين ينزحون الى لبنان بالآلاف يوميا ولا تتوافر للبنان إمكانات لاستيعابهم. وثالثا عجز الحكومة اللبنانية في البقاء على الحياد، مما يحصل في سوريا رغم اعلان رئيسها سياسة النأي بالنفس بعدما دخل فريق سياسي من داخل الحكومة في المعركة السورية بشكل مباشر.
وعلى رغم تمكن لبنان حتى الآن من احتواء وصول ارتدادات الازمة السورية اليه ومن استيرادها، فان الأسس التي يرتكز عليها النظام السياسي اللبناني في ظل الخلافات التي يعيشها البلد بدأت تتصدع. والخلافات بين اللاعبين السياسيين حول قانون انتخابات جديد تظهر من دون شك الانقسامات المستعصية بين الطبقة السياسية، حتى ان هذه الخلافات وصلت في الفترة الأخيرة الى رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء وأعضاء الحكومة في حين أن استمرار الدورة الاقتصادية يعود بشكل أساسي الى متانة مؤسسات لبنان ونظامه المصرفي.
وكما اعلن الرئيس الجميل خلال زيارته لباريس فان "سقوط النظام في سوريا إذا ما سقط، لا يعني حكماً إلغاء حزب الله أو نزع سلاحه أو إلغاء الأطراف من حلفاء سوريا عن المسرح السياسي اللبناني". وسقوط الأسد "لن يزيل حزب الله وستستمر الحياة السياسية معه امس واليوم وغدا. فالحزب يمثل فريقاً شيعياً كبيرا وسنستمر بالحوار معه وحلفاء سوريا سيستمر ون جزءاً من المشهد السياسي اللبناني".
غير ان سقوط النظام حسب مصادر ديبلوماسية سيضعف بشكل أو بآخر "حزب الله" وحلفاء سوريا على الساحة السياسية اللبنانية وسيغير الخريطة السياسية بحيث ان الحزب سيفقد حليفاً أساسياً تعامل معه داخليا وخارجيا ولن يجد مفراً من الانضواء تحت لواء الشرعية اللبنانية الذي يفرض التخلي عن السلاح الذي رفض حتى الآن نزعه بأي شكل وتحت أية صيغة يمكن التوصل إليها.
فهل ان انهيار الأسد يعني بالضرورة قيام لبنان جديد؟
الجواب لا، لأن البلد يعاني من انقسامات عميقة ومتجذرة رغم ان السياسيين اللبنانيين نجحوا بشكل أو بآخر حتى الآن رغم ارتدادات الازمة السورية على المحافظة على نوع من الاستقرار.
ولتوطيد هذا الاستقرار يحتاج لبنان الى التمسك بأربع أولويات: اولاً حل موضوع سلاح "حزب الله". لانه لا يمكن ترسيخ الاستقرار ولبنان تحت تهديد سلاح غير شرعي الى الأبد. وتنفيذ هذا المطلب مرتبط بميزان قوى إقليمي ودولي.
ثانياً إقرار مبدأ عدم الإفلات من العقاب واستمرار عمل المحكمة الدولية والقبض على المطلوبين منها وصدور أحكام، لانه لا يمكن قيام دولة في ظل سياسة " العدل والأمن بالتراضي".
ثالثاً المحافظة على حياد لبنان وعلى حياد الدولة الضعيفة بنيوياً اذ لا فائدة للبنان من دخول سياسة المحاور واستجلاب مشاكل الخارج الى الداخل اللبناني الذي يعاني هذه الاصطفافات.
رابعاً التمسك بإجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها الدستورية والتوصل الى قانون توافقي يضمن المناصفة والتمثيل الحقيقي. فعدم احترام المهل الدستورية للانتخابات النيابية والرئاسية سيعرض لبنان لعواقب في حال عدم احترامها.
فهل نجحت باريس التي دعت الى لقاءين مع الرئيس امين الجميل والنائب وليد جنبلاط في مد جسور تؤدي الى إعادة إطلاق عجلة الحوار تحت راية رئيس الجمهورية ميشال سليمان ام ان العقد التي يجابهها اللاعبون السياسيون في حاجة الى اجتماع " سيل سان كلو" ثان لإعادة التواصل بين الطبقة السياسية اللبنانية؟

السابق
الاسد بعد لقاء جليلي: العدوان على جمرايا يكشف الدور الحقيقي لاسرائيل
التالي
ظهور مسلح يرافق جولة تفقدية يقوم بها الاسير في طرابلس