لا شك أن طريق الإصلاح طويل أمام دول الربيع العربي. فشبح الأنظمة التي ظلت في السلطة لفترة طويلة بلغت عقودا لايزال ماثلا في جميع مرافق الدولة ومن الصعب التخلص من تبعاته في يوم أو ليلة. ولعل أصعب المراحل وأخطرها التي تمر بها الآن دول الربيع العربي هي المرحلة الانتقالية التي تتمثل في إعادة تشكيل المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية فهي مرحلة تتميز بشدة التقاطب بين بقايا النظام السابق الذي يحاول جاهدا عرقلة المشروع الانتقالي للسلطة وجماهير الشعب المتلهف للحرية وللمضي قدما في بناء الدولة الجديدة أو في ظهور خلافات عميقة قبل إعداد دستور جديد يلبي طموحات المرحلة الجديدة ويكون مقبولا لدى جميع طوائف المجتمع وأحزابه أو تنظيماته السياسية.
الأوضاع في مصر الآن تعكس صورة واضحة لهذه المرحلة، فهناك أصحاب النوايا الحسنة من غالبية الشعب المصري وبعض القوى السياسية الذين يريدون الخير لبلدهم وقد ارتضوا نتائج العملية السياسية الأولية في الرئاسة وهناك من يحاول أن يزرع الشوك في الطريق لإجهاض الثورة من خلال ما يبثه من تضليل إعلامي وإيحاءات كاذبة تبشر بفشل مشروع بناء الدولة الجديدة كون التيار الإسلامي الحائز ثقة الشعب المصري يتزعم العملية السياسية دون أي مراعاة للعبة الديموقراطية التي يدعون أنهم يؤمنون بها، لكن تصويت الشعب المصري على قبول مشروع الدستور الذي تم وضعه بمشاركة جميع ممثلي القوى السياسية والطائفة المسيحية سيكون له الأثر الكبير في انتشال مصر من هذه المرحلة وعبورها بسلام لتبدأ بعدها مرحلة إعادة البناء بسلام وهي مرحلة دقيقة وصعبة كسابقتها ومتطلباتها كثيرة ولعل أهمها ما يتعلق بإخراج الدولة من أزماتها الاقتصادية الحالية من بطالة عالية وعجز كبير في الميزانية وإعادة الثقة في رأس المال الأجنبي كي يساهم في دفع عجلة التنمية بعد عقود من الفساد والكساد والتخبط في إدارة اقتصاد الدولة.
تضافر جهود الجميع مع تقديم مصالح بلدانهم فوق كل اعتبار كفيل بعبور المرحلتين وقدر الإسلاميين في هذه الدول أن يجدوا أنفسهم في الواجهة السياسية وأن تسلط عليهم الأضواء وهم بطبيعة الحال ليسوا أقل كفاءة من نظرائهم اليساريين أو الليبراليين أو العلمانيين وتجربة حزب العدالة والتنمية الإسلامي في تركيا خير دليل على ذلك.

