ما يجمع الوسطيين.. وما يفرّقهم

قبل نحو سنة كان الحديث عن «الوسطية» و«الوسطيين» مدعاة انتقاد وحتى سخرية. فانقسامات البلد الحادة والرؤوس الحامية لا ترضى إلا بالاصطفاف في معسكر من اثنين: «إما 8 أو 14 آذار». أما ما هو بينهما، فمرذول ومشكك به، يُبحث بين سطور مواقفه وكلماته عن انحياز لفريق أو لآخر… وفي أحسن الأحوال يقال «بلا لون ولا رائحة».
اليوم تحولت الوسطية مطلبا وتعبيرا عن «ترفع أخلاقي وحرص وطني» كما يؤكد مسؤول سياسي، مضيفا «كيف لا تكون الوسطية امتيازا ومطلبا وهناك رؤساء للجمهورية ميشال سليمان والمجلس النيابي نبيه بري والحكومة نجيب ميقاتي ومعهم النائب وليد جنبلاط أصبحوا من الوسطيين والداعمين للوسطية والمبشرين بها؟».
ومع ذلك، ووفق الطريقة اللبنانية، فالوسطية أنواع مختلفة ولها أهداف متباينة وحسابات طائفية بأغلفة وطنية. وبحسب المسؤول السياسي، فإن «وسطية بري تهدف الى الحفاظ على أهم إنجاز حققه الشيعة في العقود الاخيرة، وهو الانخراط في الدولة وتنامي إحساسهم بالشراكة الوطنية الكاملة. فحسابات «حزب الله» واهتماماته وارتباطاته تجعله يجنح أحيانا الى تجاوزات لا تأخذ بالاعتبار تفاصيل السياسات والحسابات اللبنانية. يتمسك بمواقف وسلوكيات جذرية، لا تراعي دائما الخصوصية اللبنانية».
لذا سخّر بري كل تاريخه و«مواهبه» في فهم الحساسيات اللبنانية والتأقلم معها ليقيم في منطقة وسطية، «تحفظ له هامش التنقل بين رئاسة «أمل» ورئاسة مجلس النواب والتحالف الوطيد مع «حزب الله» والانفتاح على «الكتائب» وما بينهما من صداقات مع معظم شخصيات «8 و14 آذار». يفعل بري كل ذلك مقدماً نفسه رجل كل الفصول القادر على الحوار وابتكار الحلول والمخارج للأزمات مهما استعصت. وهو في هذا الإطار، يسأل ويستمع ويسكنه هاجس حماية الشيعة ولبنان وكيفية التوفيق بين الحمايتين» يقول المسؤول السياسي نفسه.
لا تغرد وسطية جنبلاط بعيدا عن وسطية صديقه اللدود بري. وبحسب مصدر حزبي فإن «جنبلاط من السياسيين الذين اتعظوا من الحرب ودروسها. فاللبنانيون برأيه محكومون بالتعايش والحوار والتوافق على أمورهم الجوهرية والتفصيلية. بالتالي فإن الإفراط في التشدد بالمواقف والانحيازات القاطعة الى أحكام مطلقة لا تغير في الوقائع اللبنانية شيئا. فلا تسير الأمور في هذا البلد إلا بالحوار والاستماع الى هواجس بعضنا بعضا ومحاولة مقاربتها بأكبر قدر ممكن من العقلانية والوطنية. لذا فرئيس «الاشتراكي» يدعو الى تلاقي اللبنانيين في المساحة المشتركة والبناء عليها إيجابا عوض أن ينزوي كل فريق منهم في قوقعته مطلقا أحكاما مبرمة على الآخرين، قاطعا الطريق على أية مبادرات إنقاذية».
اذا كان المصدر الحزبي يضع مواقف جنبلاط في إطار وطني صرف، إلا أن مسؤولا سياسيا من أصدقاء «البيك» القدامى وعارفيه يؤكد «ان جنبلاط مسكون بكيفية حماية طائفته وحماية زعامته فيها». يستفيض مبررا مشروعية هذا الهاجس قبل ان يضيف «ان وسطية جنبلاط مردها اليوم الى مجموعة عوامل. فهو يرتاح في الإقامة في وسطية يتنازع كل فريق على جذبه ناحيته فيرجح كفة هذا على ذاك. وبالتالي يحرص الجميع على تمتين علاقتهم به مع معرفتهم جميعا بأن جنبلاط لا يقيم حسابا إلا لكيفية ترسيخ زعامته وإبعاد طائفته عن أي تهديد محتمل، سواء من طرف داخلي أو من تداعيات أحداث وتطورات خارجية. بالتالي فوسطيته إخراج مريح، أقله في هذه الفترة، والمرجح ان تمتد الى ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة».
اذا كانت وسطية بري وجنبلاط جزءاً من تكتيك سياسي وورقة من أوراق كثيرة يتقنان استخدامها بحسب الظروف والوقائع، فإن وسطية رئيسي الجمهورية والحكومة خيار لا بديل منه و«استراتيجية دفاعية» ووجودية.
فوسطية ميقاتي بطاقة تعريفه الشخصية، وبطاقة اعتماده في الحياة السياسية. يقول مصدر مطلع ان «ميقاتي انتهج في السياسة ما ينسجم مع طروحاته الشخصية وفكره وقناعاته. فالاعتدال جزء من تركيبته الشخصية كما نتيجة تراكم التجربة والقراءة المعمقة لأحوال لبنان وتاريخه وطوائفه وأحزابه. ميقاتي حاسم في قناعاته بأن لبنان لا يقوم بمنطق الغلبة والاستقواء. وان الجميع يخرج خاسرا باعتماد سياسة التحدي. وفي الازمنة الصعبة لا بد من رجال توافقيين قادرين على ان يكونوا صلة الوصل بين اللبنانيين ويخففوا من الرهانات والمغامرات، ويمرروا الازمات التي تعصف من حولنا بأقل الأضرار على البلد وأهله». لا يعتبر المصدر ان ميقاتي «يحمي فقط الطائفة السنية باعتداله ووسطيته. هو يحمي البلد عبر الإبقاء على جسور التواصل مع جميع القوى السياسية وبناء جسور الثقة وترميم ما انقطع منها».
هي الجسور نفسها التي راهن على بنائها وتعزيزها ميشال سليمان طوال سنوات رئاسته ولا يزال يحاول. لكن الرهان هنا يُفترض ان له ترجماته المختلفة. يطمح بعض المقربين من رئيس الجمهورية الى ان يكون مبادرا الى ترجمة قناعاته «عوض احتواء مغامرات القوى السياسية ومحاولة ترميم ما يدمرون عمدا أو تهورا».
ويقول مصدر متابع «ان رئيس الجمهورية قادر على كسر الانقسام العمودي الذي يشق البلد. يمكنه ان يدعم مجموعة مستقلين في الانتخابات النيابية المقبلة على مستوى كل الجمهورية، لا ينحازون إلا لمصلحة الجمهورية. بذلك تتواضع سائر القوى السياسية ويتراجع خطابها التحريضي وتعطى للناس مساحة أرحب لينصرفوا الى النقاشات السياسية المفيدة والبناءة».
يضيف المصدر نفسه: «السياسة ليست انقساما بين «8 و14 آذار». هي هموم الناس اليومية من السلة الغذائية الى الطبابة والتعليم وضمان الشيخوخة. هي تحديث الادارة ومكننتها ووقف الهدر والحد من الفساد. هي القضاء العادل والمستقل. هي المجتمع المدني الفاعل، القادر على التأثير والتغيير. السياسة هي العمل على تحسين حياة الناس وتطويرها بما يتناسب مع العصر ومتطلباته. هذا ما يريده الناس من السياسة، أو أقله هذا ما يفترض أن يُقدم لهم كبديل من انقسامات وخلافات منبعها طائفي، مذهبي، ومصبها خراب البلد وغياب استقراره على كل المستويات».
يختم المصدر أن «سليمان الذي اختار الوسطية والاعتدال سلوكا ونهجا وتحمل انتقادات جميع الأطراف في أوقات متفاوتة، متمسك بخياراته، غير انه لا يبدي حماسة عالية لخلق كتلة وسطية ودعمها. في المقابل، اذا نجح عدد من المستقلين في الوصول الى المجلس النيابي واستطاعوا أن يكونوا سدا في وجه انفلاش القوتين المتواجهتين، فلا شك بأن التعاون معهم سيؤمن استقرارا وفرصا أفضل للبلد».

السابق
استعمال الأسد الكيماوي..انتحار
التالي
حزب الله ينتظر هدايا بابا نويل