المنارة والمرآة

يتحدث الكثير من النقاد والدارسين عن الفن، بوصفه المرآة التي تعكس الواقع وتعيد إنتاجه في لوحة أو قصيدة أو غيرهما من الأعمال الفنية والأدبية المختلفة، وقد تكرس هذا المفهوم في الأدبيات الكلاسيكية بوجه عام، حيث يكتفي الشاعر بوصف الواقع المرئي وسرد الأحداث التي تدور من حوله، كما لو أن وظيفة الشاعر هي التاريخ للجماعة وتوثيق ذاكرتها عبر الزمن. وفي الفن التشكيلي يكتفي بعض رسامي «البورترية» بنقل صورة الشخص الذي يرسمونه نقلا دقيقا وتفصيليا، تماما كما يفعل بعض المهتمين برسم المناظر الطبيعية بغية تسويق أعمالهم وإيجاد الطريق الأسرع لتعليقها في صالونات حديثي النعمة وغير العارفين بالفن من الأثرياء والموسرين.
وفي كتابه «المثنوي» يقارب جلال الدين الرومي فكرة العلاقة بين الفن والمرآة، فيتحدث عن أحد ملوك اليونان الذي أراد أن يقيم مباراة في فني النقش والتصوير بين الصين وفارس، ليرى أيا منهما هو الأمهر في هذا الباب. وقد عمد الملك إلى وضع فناني البلدين ومهندسيهما الكبار في ردهة واسعة، ثم فصل بينهما بستار سميك وطلب إلى الفريقين أن يعمل كل ما بوسعه لزخرفة المساحة المخصصة له من القاعة. وفي حين راح فنانون الصين يبتكرون نقوشا وتصاوير غاية في الروعة والجمال، راح مهندسو فارس يصنعون مرايا هائلة ويثبتونها على الجدران بعد أن بالغوا في صقلها إلى أبعد الحدود، حتى إذا أمر الملك برفع الستار الفاصل بين الطرفين لمعت نقوش الصين في مرايا فارس، فبدت أكثر جمالا في المرايا منها في وجودها الأصلي. وحكم الملك لفارس على الصين.
قد تكون هذه الحادثة من بنات أفكار الرومي ومخيلته الصرف، ولكن المقصود منها ــ في رأيي ــ ليس ما ذهب إليه البعض من أن الفن هو ترجمة حرفية للعالم الواقعي، إذ يمكن للكاميرات ــ على سبيل المثال ــ أن تتولى الأمر نفسه، وتنقل المشهد الطبيعي بمهارة يعجز عن مجاراتها الرسامون التجاريون، بل لعل ما دار في خلد الرومي هو أن للحقيقة الفنية جمالا يفوق في روعته وإبهاره جمال الوجود الحسي، حتى لو كانت الأولى تستلهم الثاني وتفيد منه، كما أن أهم ما أنجزته الرومانسية في ثورتها هو نقل مركز الثقل في العملية من الخارج إلى الداخل ومن الواقع إلى الذات، وهو نفس ما فعلته المدرسة التعبيرية في رفضها لإذعان الانطباعيين لمنطق الطبيعة وتحولاتها الضوئية. فالفن الحقيقي لا يعكس ضوء الخارج، بل يولده ويجترحه وينشره على الملأ. إنه صوت آخر، وليس مجرد صدى لصوت الخارج، وهو في عمقه الأخير منارة لا مرآة.  

السابق
حتى لا تموت فلسطين في قلوبنا
التالي
خيار الإخوان: أردوغان أم نصر الله؟