بلاد تطوف بنفايات أهلها

هلّ المطر الكثيف، إذاً تجهّزوا للسباحة والغرق وبعض ملامح الطوفان. سنويّاً يتكرّر المشهد، وكذلك التعليق. لا شيء يتغيّر. فكرة الإقامة في دولة "ناهبة" باتت واضحة لدى كثيرين. سرقة الدولة لنفسها لم تعد تلك القطبة المخفيّة. علناً تنتقل الأيدي بين جيب وأخرى. تخرج قضايا الفساد إلى العلن وتغيب بهدوء. يكاد الصوت لا يخرج للاعتراض. شعب خجولٌ. اللهم لا اعتراض على طباع طائر الفينيق.
الأحد الفائت طافت الطرقات مياهاً. اختفت الأرصفة لتنصهر مع مشهد عامّ: سيارات معطّلة، مظلات مرميّة أرضاً، مشاة مغمّسون بالمياه، ولون بنيّ يسيطر على الأرجاء. تحاول إقناع نفسك أنّ هذه مجرّد آثار "الشتوة" الأولى، لكن عبثاً تفعل. لا مجال للتصديق. مجاملةً تسأل عن البلديّات (هروباً من السؤال المتكرّر عن وجود الدولة). جديّاً، ماذا تفعل هذه المؤسسات طوال العام؟ طبعاً عدا عن السرقة، ماذا تفعل؟ ألا تحتاج تمويهاً؟ حسناً، لتموّه بمكافحة ناجحة لآثار الشتوة الأولى مثلاً. أقلّه دعونا لا نضيع بين مياه الربّ ومياه المجرور. نحبّ الأشياء الصافية، تماماً كما هي. كما أرسلت لنا.
يطرأ الكثير مع "الشتوة الأولى". في كلّ عام ابتكارات جديدة. هذا من مبدأ أننا دوماً نسير إلى الخلف. لا تحسينات بل مزيد من الإهمال. "مجمّع الحدث الجامعيّ" له قصّته اللطيفة. قدّر للطلاّب أن يتعلّموا قرب واحدة من أكثر المناطق إهمالاً. حي السلّم تلقي عليهم من التحية من البعيد. ومن "محاسن" الصدف أن يتلازم السكن الجامعي مع المجمّع. هكذا بات من الأحوط وجوباً عدم الخروج نهار الأحد. لا شيء مضموناً. المدخل لناحية "حيّ الجامعة" حيث تقف فانات رقم أربعة وتقبع عشرات المقاهي، غير آمن. يصطفّ رتل من الشباب والصبايا بانتظار اتخاذ القرار. هي خيارات ثلاثة للعبور نحو المجمّع: استقلال "سرفيس"، الغوص في بركة غير معروفة العمق، أو العدول عن الدخول وتغيير المسار.
هذه الخيارات ليست حرّة. أنت مرتبط بموافقة أحد أطراف العلاقة. سائقو سيارات الأجرة، ربما، يرفضون خوض التجربة. سياراتهم لا تسمح، والمخاطرة كبيرة. مرّة، اثنتان، ثلاثة.. أربعة. لا من يعبر بالصبية، أقلّه إلى مدخل الجامعة. في النهاية تضطر إلى دفع "سرفيسين" للعبور "من.. إلى". تكاد تكون المسافة المقطوعة مضحكة لشدّة قصرها. هي لا تحتاج، سيراً على الأقدام، أكثر من أربع دقائق. لكنها الشتوة الأولى، تأتي علينا بغنج، فيستحي المسؤولون ويتسترون. وهكذا يتركوننا في حال سبيلنا. نتدبّر أمرنا معها.
من اتخذ قرار الغوص، التقى بالكثير خلال عبوره. اصطدم أحدهم بحذاء شتويّ. رفعه عالياً ولوّح به لرفاقه على الضفة الأخرى. ضاحكاً، قال لهم: "شخصيّاً التقيت بصرماية..".
أكياس النفايات الممتلئة بالبندورة وبقايا الطعام وعبوات المياه الفارغة.. كلّها في الطريق بسبب "الشتوة الأولى". توقع أن تجد ما تريد. بازار مفتوح على الملأ، ولا أكثر من حاويات "الزبالة" في المنطقة.
انسحب المشهد على صباح اليوم التالي. توقفت الأمطار. استوعبت الطرقات ما حصل، وما تبقى هي صبغة "بنيّة" ارتسمت على كلّ ما التقت به. ما يعني كلّ شيء. حتى وجوه المارّة وأحذيتهم كانت لها حصّتها. جولة في "حيّ الجامعة" وكثير من الأحياء المحيطة، تعطي انطباعاً بنكبة مسائية حلّت. هي مجرّد "شتوة" أولى. صحيح، وهي من اقتلعت زفتاً "متيناً" من الطريق. هي من زادت أعداد الحفر ووسّعت في مداها وعمقها. كذلك هي من ملأت الطرقات حجارة وأغصان شجر وأكياس زبالة.
مشهد الطلاب العابرين نحو كليّاتهم، كان جميلاً وباعثاً على الحياة! يتنقّلون بحذر ورويّة، خوفاً من السقوط في حفرة صباحيّة أو التنعّم برشقة مياه من سيارة عابرة. في الداخل ينتظرهم الكثير ليكملوا نهارهم كما انتهى بالأمس. قد يطرأ إشكال حزبيّ، أو ربما يقرّر أحد الموظفين التوقف عن العمل لسبب خاصّ. وربّما، انسجاما مع الشتوة الأولى، ستجد زملاءك في إضراب "طارئ". كلّ ما يحيط بهؤلاء لا تصحّ تسميته سوى بالـ"جنون".
لا شيء قابل للحياة فوق هذه الطرقات.
بلاد تطوف بنفايات أهلها، ليسبحوا مع "الشتوة الأولى" جنباً إلى جنب.

السابق
مأكولات فنية شهية
التالي
في رحاب القصر الجمهوري