ادخلت غالبية الدول الغربية مصطلح " الفراغ " على الوضع اللبناني الناشىء منذ اغتيال اللواء وسام الحسن من باب الخشية على زعزعة الاستقرار الداخلي، فاثار هذا المصطلح مادة خلاف اضافية بين القوى الحكومية وخصومها المعارضين. غير ان اسابيع قليلة من عمر الازمة الطالعة بدت كفيلة بصوغ مفهوم بعيد المدى لفراغ يخشى ان يكون فعلا على الطريق، ولو لم يكن ذلك الفراغ الذي قصده الغربيون في لحظة هلع من انهيار في لبنان.
هذا الفراغ بدأ يأخذ اشكالا وانماطا جدية مع التأسيس القائم لترسيخ حالة استحالة التوصل الى تسوية سياسية انتقالية حتى الانتخابات النيابية. كل ما يجري راهنا ينبىء بان القوى الحكومية ومشتقاتها تتعيش على استقواء بلحظة احادية وتمضي في مغانم التفرد السلطوي غير آبهة بمضاعفات اقلها قد يكون انهيارا اقتصاديا عميما. كما ان المعارضة التي اصطدمت بعجز اساليبها المتبعة لاسقاط الحكومة لن تكون اقل استقواء بتشدد اكبر وإن افتقرت الى منهج عملي آخر.
ويكاد استنساخ الازمة السورية على طبعتها اللبنانية يذهب الى حدود تعامل قوى 8 آذار مع المعارضة كأنها الثورة السورية، بينما تتعامل قوى 14 آذار مع الحكومة كأنها نظام الرئيس بشار الاسد تماما.
ولعل الاخطر ايضا ان بلدا فطر على التدخل الخارجي في كل ازماته وحقبات حروبه وصراعاته، سرعان ما وجد نفسه بعد اقل من ثلاثة اسابيع من "هبة" الخوف الدولي عليه، معزولا تماما عن أي وساطة خارجية، وهو لم يعتد بعد وقد لا يعتاد ابدا، اخذ اموره بيديه العاريتين. حتى ان النيات الطيبة المتدفقة والدعم المتراكم عند ابواب قصر بعبدا لرئيس الجمهورية ودوره، تكاد تشبه الشيكات البلا رصيد، ولا يشبهها سوى منظومة التسليم الجماعي الداخلي بدور الرئاسة في كسر المأزق فيما لا يملك الرئيس سوى استجماع الاراء في "كرسي الاعتراف" يباح فيها بكلام غير قابل للصرف.
هو مسار تصاعدي حتما نحو فراغ من نوع آخر، سيستدرج عاجلا ام آجلا مواجهة لحظة الحقيقة التي يستحيل فيها المضي نحو الانتخابات بكل عدة الفراغ السياسي هذه. وما يعجز عنه العجز السياسي، يكمله "الارهاب الذكي" الذي ينتقل من اغتيال مدمر مزلزل الى تهديدات هاتفية والى صنوف مختلفة مبتكرة من شأنها ان تؤهل الساحة تماما للتحريض والتخويف والتمترس الحاد وراء التشدد خصوصا كلما قوبل هذا الترهيب المستهدف فئة محددة باستهانة الخصوم ورفعهم "حالة الانكار" في موازاته. ومن قال ان الفراغ المدمر لا ينشأ عن الانقطاع عن الواقع ايضا؟ واليست هذه طبعة منقحة اخرى عن الأزمة السورية؟

