يرفض الفريق الحريري أي بحث في النظام النسبي. وسببه الوحيد المعلن أن النسبية لا يمكن أن تطبق في ظل سلاح حزب الله. فبرأيه أن وهج القوة في بيئة حزب الله يمنع التعدد، كما هو قائم في البيئات الأخرى. وبالتالي فالنسبية في ظل هذا السلاح وفائض سطوته، تعني احتكار حزب الله لكل بيئته من دون منافس، ومن ثم اقتطاعه نسبة من بيئة سواه المتعددة نتيجة غياب أي سلاح… نظرية تحمل في الحساب الانتخابي الكثير من الثغر والفجوات. لكن أهم ما تحمله اتهام معلن من قبل الفريق الحريري للجماعة الشيعية بأنهم جبناء، يخشون سطوة السلاح ويخضعون لحكمه، إما في الترشيح، وإما في الاقتراع، وإما في الاثنين معاً. فما هي حيثيات هذا الاتهام؟
في جبانة الترشيح الشيعي، لا شك أن المسألة متعلقة في شكل أساسي بالعاملين من الشيعة في الشأن العام، وبالتالي بقدرتهم على المواجهة والاعتراض والممانعة، أو على العكس خضوعهم وخنوعهم والامتثال. وعلى هذا الصعيد، معذور سعد الدين الحريري شخصياً، لجهة معرفة تاريخ لبنان القديم والحديث والمعاصر، حتى العام 2005. لكن الأمر لا ينسحب على كثيرين في فريقه ممن يفترض بهم أن يعرفوا ويعترفوا. فعلى سبيل المثال يوم بدأت الحركة السيادية في مواجهة الاحتلال السوري، كانت الخطوة الأولى لاتساعها عبر لقاء البريستول. يومها، كان في اللقاء 19 شخصية معارضة شيعية. أولها الناطق باسم اللقاء في اجتماعه الأول، المناضل حبيب صادق. ويومها لم يجرؤ من بيئة الفريق الحريري على المرور بالقرب من الفندق إلا شخص واحد، اسمه مصباح الأحدب. جاء تحت لافتة «تجدد» نسيب لحود. ويوم احتدت المواجهة مع «السوري» كانت التشكيلات الشيعية المنضوية في المعركة تغطي كل أطياف تلك الجماعة الفكرية. من «شيعة» اليسار إلى شيعة العلمانيين والمثقفين، وصولاً إلى الشيعة الدينيين، مع «اللقاء الشيعي اللبناني». أما بيئة الحريري، تماماً كما بيئة حليفه المسيحي الأول، فلم تنضم فعلياً إلا بعد انسحاب آخر جندي سوري عن أرض لبنان. ولمن تستفزه هذه الحقيقة يكفيه أن يُطلع سطراً واحداً معارضاً لنظام الوصاية، أعلنه أو ردده في سره قبل 26 نيسان 2005.
بعد ذلك التاريخ انتصر الفريق الحريري بصدفة تقاطعات الخارج، فبادر أول ما بادر إلى ذبح حلفائه الشيعة. عقد تحالفه الرباعي، وأبدع في تصفية تعددية البيئة الشيعية. حتى ابن الشيخ محمد مهدي شمس الدين لم يَسمح له في بيروت، بخسارة مشرفة لا نسبياً ولا أكثرياً. بعد ذلك التاريخ، صار الشيعة الملتقون في السياسة مع ابن الحريري يعتقدون أنه لا يقيم وزناً لأفكار الناس، ولا لمواقفها أو مبادئها. تولد لدى هؤلاء انطباع أن السياسة عنده شأن آخر ولعبة أخرى، فتركوه.
بعد اربعة أعوام عاد الاستحقاق النيابي، وكان ابن الحريري هذه المرة على خصام مع حزب الله. ولم يكن مضطراً هذه المرة للتضحية بالشيعة المتوافقين معه في السياسة من بعيد. فماذا فعل؟ في العدد الوافر من الدوائر التي قُدر له ان يخوض معاركها في مواجهة لوائح الثنائية الشيعية، لم يختر إلا موظفين. حتى ابن دلول لم يحمله. ما جعل أبو نزار يتذكر ثانية تجربته مع جنبلاط الابن، بعد صداقة عمر مع جنبلاط الأب، قال: أردته مثل أبيه، لكنه ارادني مثل الذين حوله. هكذا مرة ثانية أحس الشيعة المعارضون لحزب الله، أن ابن الحريري أو فريق عمله أو دائرة قراره، لا يعرفون لبنان ولا جماعاته ولا ثوابته ولا منطق سياساته ومقتضيات ميثاقه.
وبين المحطتين استمر الطلاق بين الشيعة وابن الحريري. ففي تموز 2006 أعطى هو و«فؤاده» الانطباع المتجدد والمتأكد ــ صائباً أو مخطئأ ــ أنهما قادران على تصفية جماعة لبنانية بالخنجر الاسرائيلي، فيما الشيعة المعارضون لا يستذكرون إلا في مواسم الاقتراع، واستمر هؤلاء على معارضتهم بلا خوف ولا ذعر. فلقمان سليم استمر يستقبل زواره بكأس النبيذ على باب «هنغار» الضاحية، ومحمد حسن الأمين وهاني فحص ظلا يكتبان في معارضة الحزب دينياً، مما لا يقرأه ابن الحريري ولا يُقرأ له… هكذا صار الاصطفاف الشيعي مسألة طوعية إرادية ذاتية. تماماً كما الخدمة التي قدمها زعماء الموارنة لوليد جنبلاط في رص الدروز من حوله زمن حرب الجبل.
تبقى جبانة الشيعة في الاقتراع أو تخاذل شارعهم! حين يُتهم الذين واجهوا المخرز الاسرائيلي بعيون مفتوحة على الضوء، حين يُتهم الذين دفنوا 1600 شهيد في 14 آب 2006 ولم يتأخروا عن احتفال النصر قبل الفجر ذاك الصباح، حين يُتهم الذين يجالسون الصهيوني كل نهار على حد السكين، حين يُتهم هؤلاء بالجبانة (ومن الذي يتهمهم؟؟) تكون آخرة الأزمنة. نصيحة للفريق الحريري، ابتكروا حجة أخرى لرفض النسبية. عيب!

