سقط النظام السوري. ما لم يسقط بعد هو الكيان. هل في استطاعة السيّد الاخضر الابراهيمي انقاذ الكيان قبل فوات الاوان؟ لا يحتاج الاخضر الى شهادة من احد. لا في الوطنية والعروبة، بمعناها الحضاري طبعا، ولا في العقل والتعقّل والانفتاح على العالم والحلول التي تغني عن اللجوء الى كلّ ما له علاقة بالعنف. انه ديبلوماسي مجرّب وعتيق سعى دائما الى وضع حدّ للمآسي وسفك الدماء. وفق احيانا ولم يوفق في احيان أخرى. لكنّه فعل دائما ما يمليه عليه ضميره والواجب الانساني. اكن التحدي السوري يبدو هذه المرّة مختلفا نظرا الى ان ما على المحك مصير شعب عربي رفض الرضوخ للظلم والعبودية وان يكون مجرد شاهد زور على اكبر عملية تزوير شهدتها المنطقةز اسم هذه العملية المتاجرة بالشعب الفلسطيني وقضيته الى ما لا نهاية بما يرضي الاحتلال الاسرائيلي ويريحه في كلّ وقت.
كان مستغربا قبول الاخضر بمهمة في سورية بتكليف من الامين العام للامم المتحدة والامين العام لجامعة الدول العربية، علما ان النظام في سورية يرفض الاعتراف بانّه مبعوث عربي ايضا ويكتفي بالاشارة اليه كمبعوث دولي. ولكن ما العمل امام نهر الدماء العربية المتدفق من دون رادع؟
الذين يعرفون الاخضر، يعرفون اولا انه قبل المهمة بسبب وعيه لخطورة استمرار العنف والمذابح في سورية والنتائج التي ستترتب على ذلك اقليميا بشكل عام وسورية بشكل خاص. انه حليف سورية والشعب السوري وحريص عليهما اوّلا واخيرا.
كذلك، يقول الذين يعرفون الاخضر عن كثب، انه لم يكن في استطاعته الاّ ان يجرّب ويحاول وقف النزف…في انتظار حصول التغيير المتوقّع في سورية. كلمة التغيير هي المفتاح. لديه منطقه الاقرب ما يكون الى المنطق. والمنطق، الذي تؤكده الاحداث والوقائع، يقول انّ في سورية ثورة شعبية حقيقية مستمرة منذ ما يزيد على سنة ونصف السنة وان هذه الثورة لا يمكن ان تتوقّف بأيّ شكل نظرا الى انّ كل مواطن سوري نزل الى الشارع يدرك ان مصيره سيكون الموت، هو وافراد عائلته واقربائه، في حال عاد الى منزله من دون حصول التغيير الجذري.
هناك منطق التغيير الذي ينادي به الاخضر، وهو منطق اقرب الى منطق التاريخ ومنطق الشعب السوري…وهناك منطق النظام السوري القائم على الغاء الشعب السوري. ايّ منطق سينتصر في نهاية المطاف؟ الاكيد ان منطق الاخضر هو الذي سينتصر، لا لشيء سوى لأنّ الغاء الآخر ليس حلاّ في المطلق، فكيف عندما يكون الامر مرتبطا بالغاء شعب بكامله؟
ما الذي يمكن عمله لسورية؟ الجواب بكلّ بساطة ان فرصة التوفيق بين منطقي الشعب السوري من جهة ومنطق النظام من جهة اخرى، غير قائمة. انه مثل التوفيق بين الحياة والموت. هناك شعب يريد الحياة ولا يخشى الموت وهناك نظام لا يؤمن الاّ بالموت، فيما الحياة الوحيدة التي يريد ضمانها هي تلك المرتبطة ببقاء بشّار الاسد في السلطة بغض النظر عن عدد السوريين الذين سيموتون او سيهجّرون.
هذا يعني في طبيعة الحال ان مهمّة الاخضر مستحيلة. لكنّ الديبلوماسي الجزائري الذي عمل في كلّ انحاء العالم، بما في ذلك لبنان، وكان في مرحلة ما وزيرا للخارجية في بلاده يعرف ان لا مفرّ من محاولة انقاذ ما يمكن انقاذه في سورية. حتّى لو كانت نسبة الامل لديه لا تتجاوز الواحد في المئة، عليه ان يحاول. تستحقّ سورية المحاولة. الشعب السوري يستحق المحاولة. انّه بالفعل شعب عظيم. من كان يتصوّر ان هذا الشعب سيصمد كلّ هذه الفترة؟ من كان يصدّق ان السوريين سيقاومون باجسادهم العارية طوال ما يزيد على سنة آلة القتل التي يمتلكها نظام لا هدف له سوى استعباد السوريين واذلالهم وجعلهم يقتاتون شعارات كاذبة من نوع «المقاومة» و»الممانعة»؟
في النهاية، بغض النظر عن ان الشعب السوري سينتصر على النظام، وبغض النظر عن الدعم الايراني اللامحدود للنظام، لاسباب مذهبية اوّلا واخيرا، وبغض النظر عن الموقف الروسي المشين واللغة الخشبية التي يستخدمها بعض العرب، على شاكلة وزير الخارجية الجزائري الحالي الذي لا يفرّق بين القاتل والضحية، لا يمكن الا محاولة السعي الى وقف النزيف في سورية. فازمة سورية كانت دائما ازمة نظام وكيان في الوقت ذاته…
الى الآن، لا يزال في الامكان انقاذ الكيان على الرغم من انهيار النظام الذي لا يمتلك اي خيار آخر غير خيار التخلص من شعبه. ولذلك، لا مفرّ من التركيز على عامل الوقت. الوقت مهمّ جدا نظرا الى ان استمرار الحرب التي يشنّها النظام على شعبه ستؤدي الى انهيار الكيان.
هل ينجح الاخضر الابراهيمي في انقاذ الكيان السوري في غياب اي قدرة لدى النظام على انقاذ نفسه؟ ذلك يبدو التحدي الذي يواجه مبعوث الامم المتحدة وجامعة الدول العربية الذي يدرك قبل غيره ان التغيير حصل في سورية وان السؤال المطروح هل من مخرج في سورية؟
نعم هناك مخرج. المرحلة الانتقالية هي المخرج. المهمّ اقتناع اهل النظام ان ما بناه حافظ الاسد كان سرابا ولا شيء غير ذلك، وانّ سياسة «عليّ وعلى اعدائي يا ربّ» لن تقود سوى الى هلاكهم وانه لا تزال لديهم فرصة ما للبحث عن مكان يلجأون اليه في طهران او موسكو. مثل هذه الفرصة قد لا تكون متوافرة غدا وقد لا يستطيع الاخضر الابراهيمي او غيره تأمينها، علما ان الرجل اخذ على عاتقه التوفيق بين منطقين لا علاقة لايّ منهما بالآخر؟
مرّة اخرى، هل يمكن التوفيق بين ثقافة الحياة وثقافة الموت؟ هل يمكن التوفيق بين شعب قرّر الثورة ونظام عفى عليه الزمن لا يمتلك حلا سوى الغاء الآخر؟
انه نظام اعتقد، في الماضي القريب، ان في استطاعته متابعة سيطرته على لبنان واللبنانيين بمجرد التخلص من رفيق الحريري؟ المؤسف انّه لم يتعلّم شيئا من هذا الدرس ومن ان جريمة اغتيال الحريري ورفاقه في السنة 2005 في حجم جريمة اجتياح صدّام حسين للكويت في العام 1990.

