واشنطن تستعجل تسوية مع طهران

ستبقى منطقة الشرق الأوسط ترزح تحت وطأة الحملات الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية، إلى حين إقفال صناديق الاقتراع. ذلك أنّ العاصمة الأميركية صاحبة النفوذ الأكبر، والتي تمتلك مفاتيح ترتيب أوضاع المنطقة، تبدو غارقة في حملات انتخابية حامية، حيث سجلت هذه الحملات رقماً قياسياً لناحية التكاليف المالية، فبلغت 7 مليارات دولار.

ولأنّ الأرقام التي تعلنها مراكز استطلاع الرأي تعطي هامشاً ضئيلاً يفصل ما بين باراك أوباما وخصمه الجمهوري ميت رومني، فإنّ المواجهة تشمل شتى المجالات، بدءاً من الملف الاقتصادي الثقيل والموجع، مروراً بالملفات الأميركية الداخلية العديدة، وصولاً إلى تراجع الدور الأميركي على المستوى الدولي ومن خلال ذلك، أزمات الربيع العربي وملف سوريا والأزمة مع إيران.

من هنا تقرأ مراكز الدراسات الأميركية في الفيلم المسيء للنبي محمد وجود دوافع لمجموعات صهيونية متشددة، تهدف أولاً إلى إجهاض أي محاولة لواشنطن لاستيعاب الأنظمة الإسلامية التي تولّت السلطة في بلدان الربيع العربي، وبالتالي إجهاض الأهداف التي توَخّتها واشنطن من خلال مساندتها وصول الإسلاميين الى السلطة، ومن خلال ذلك تسجيل نقاط سلبية في خانة إدارة أوباما التي "راهنت على واقع غير مضمون، لا بل على سراب".

ووسط الجدل الداخلي الدائر في أروقة مراكز صنع القرار الأميركية، ما بين وجهة نظر الديبلوماسيين والاقتصاديين الذين يتمسكون بضرورة الاستمرار في رهانهم على مصالحة العالم الإسلامي من خلال "التحالف" مع التيارات الإسلامية ومساعدتها على الوصول الى السلطة، وما بين وجهة نظر الدوائر الأمنية والاستخباراتية التي تعتبر أنّ ما يحصل هو بمثابة الخطأ الكبير وتكرار للتجربة المرعبة في أفغانستان، فإنّ الإدارة الأميركية باشرَت بإعادة تقويم كامل لسياستها تجاه البلدان العربية والإسلامية في ضوء ما حصل، والذي عبرت عنه بشيء من المرارة وزيرة الخارجية الاميركية حين وصفت ما حصل بأنه نكران للجميل.

المهم ان واشنطن التي تعيش حمى الحملات الانتخابية، وترزح تحت "هول" أحداث دول الربيع العربي تسعى إلى دفع إيران لإنجاز صفقة سياسية معها على أساس تسوية في الشرق الاوسط.

في المقابل لا تبدو طهران مستعجلة لذلك أو بتعبير أوضح، هي تفضل إنجاز هذه التسوية مع الفائز في الانتخابات بحيث تضمن تطبيق هذه التسوية بكاملها لا بشكل جزئي. لذلك، توالت الإشارات الإيجابية بدءا من مؤتمر دول عدم الانحياز، مروراً باللجنة الرباعية حول سوريا، وصولاً الى تراجع الضغط في لبنان وإعلان الرئيس نجيب ميقاتي تمسّكه النهائي ببقاء الحكومة حتى موعد الانتخابات النيابية.

وحتى إشارات التصعيد، فإنها بَدت وكأنها للضغط بهدف تسريع إنجاز التسوية اكثر منه كإشارة سلبية. وفي المقابل، بَدت إشارات طهران كأنها لتوسيع مجال الرقعة الجغرافية التي يجب أن تشملها التسوية، وهو ما فهم من كلام قائد الحرس الثوري الايراني لدى حديثه عن سوريا ولبنان.

فعلى صعيد الأزمة السورية، بدا واضحاً لكل أطراف النزاع أن لا مجال لتحقيق أي نقاط جديدة في ظلّ وجود ثابتتين أساسيتين: الأولى أنّ النظام متماسك أمنياً وعسكرياً وحتى تنظيمياً، ما يعني استحالة النيل منه من خلال العمليات العسكرية للمعارضين. والثانية أن الدول الغربية لا تستطيع التراجع عن مطلبها بإحداث تغيير ما على مستوى تركيبة السلطة.

وبدا أنّ ورقة الضغط التي استعملها الغرب ضد النظام السوري، بدأت تشكل خطرا على بعض الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا، حيث ظهرت جثث لمقاتلين إسلاميين يحملون الجنسية الفرنسية، ما يعني ان الاستقرار الداخلي الفرنسي قد يكون على المحك مستقبلاً. لذلك، جاء كلام وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عن انتقال الأزمة السورية الى الدول المجاورة بمثابة الدعوة إلى إنجاز تسوية سريعة للازمة السورية.

وجاء ذلك بعد الكلام الصادر عن موسكو بوجوب إنجاز تسوية في سوريا تقوم على اساس "طائف سوري". وبمعنى أوضح يجري استنساخ التجربة اللبنانية لجهة تقسيم السلطة وتقاسمها بين الطوائف في سوريا. وجاء في موقف آخر أنّ الرئيس السوري بشار الاسد ليس متمسّكا بالبقاء في السلطة، ما يوحي انه قد لا يرشّح نفسه عندما يحين موعد الانتخابات المقبلة سنة 2014.

لكن حتى تسوية على هذا الشكل لا تبدو مضمونة، مع تماسك النظام في سوريا خلف بشار الاسد، في مقابل بداية غلبة للتيارات الاسلامية المتشددة في المعارضة، والتي بدأت تفرض سيطرتها على الارض.

أضف الى ذلك انتقال الأزمة الى داخل تركيا مع تفاعل الواقع الكردي وجنوح العلويين في تركيا ضد سياسة الحكومة وتحرّك الشارع الاردني بشكل مقلق وتصاعد الاضطرابات في لبنان، فإنّ كل هذه الصورة قد لا تدفع بالرئيس السوري للخروج من السلطة وعدم إعلان ترشحه لولاية جديدة، ولَو لصالح إحدى شخصيات النظام.

لذلك، تبدو العواصم الغربية على قناعة بأنّ الحل الوحيد العملي والمُتاح في سوريا هو من خلال ترتيب تسوية سياسية مع ايران بمشاركة روسية.

وجاء كلام قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر خلال زيارته الى لبنان في هذا الإطار، حيث طالب بوَقف إمدادات السلاح وفتح ابواب الحوار على اساس التوازن الحقيقي بين الجميع.

يبقى ان نشير إلى أنّ هذه التسوية التي لم تبدأ بعد ستُرخي بظلالها على لبنان وبشكل مباشر، وهو ما سيسمح بإجراء انتخابات نيابية تحت سقف التفاهم الإقليمي الجديد، وعلى أساس أن السلطة الجديدة التي ستنبثق عن هذه الانتخابات لن تلحظ استبعاد أيّ من الاطراف الاساسيين.  

السابق
الأسبوع الأخير للخطف
التالي
حين تقلق الأم الحنون…