مرة جديدة يُقبل العيد «السعيد» ولا أحد يلقاه عند منتصف الطريق بابتسامة ولو باردة! العيد على الأبواب ينتظر كعادته أن نفتح له لكن الحكاية كلها في ما وراء تلك الأبواب المغلقة. هل ثمة متسع بعد لفرح عابر؟ أو هل في النفوس بعد قوة على إزاحة صخرة القلق التي سدت كل منافذ الأمل بغد لا يبعث على الخوف والرعب من المجهول والمعلوم على حد سواء؟
يتيماً يجيء العيد هذا العام. هو سيدخل علينا حتماً لكنه على الأقل لن يفلح في ادخال البهجة المعتادة معه. ربما عليه هو أن يأخذ منا هذه المرة، أن يختلط بهواجسنا وأحزاننا، ويتلطخ بأسئلتنا الجارحة حول المصير الغامض الذي ينتظرنا.
لبنان لن يتفرغ للعيد. ثمة انشغالات وجودية تمنعه من رهن ابتسامة ساذجة أو تحية عابرة لعيد جاء في لحظة مفخخة بكل حمولة الماضي الرهيب. على الأقل «بنوك الأهداف» التي تستعر هذه الأيام كالبارود في أيدي اللبنانيين لا مكان فيها لهدنة مفترضة. هدنة لا تؤدي في الواقع سوى لتحديد مزيد من الأهداف واختبارها تدريجياً عند محطات مفصلية، تلتقي في النهاية عند هدف أول هو تفكيك مفاصل الدولة، كمقدمة لتمزيق النسيج الاجتماعي، والالقاء بمكوناته في أتون حرب مستعادة، لكن هذه المرة بعنف مضاعف وأكثر وحشية على هدي مشروع تفكيكي للمنطقة يراد له أن يظهر كأكثر الأمور طبيعية وأكثر الحلول منطقية.
«الصيد الثمين» لغة للجميع في زمن الصمت الأكبر. الدولة هنا تغيب من تلقاء نفسها، تخرس، تكف يديها، تضع عصبة على عينيها ووقراً في أذنيها كي لا تتهم بأنها ترى أو تسمع. تغيب اضطرارياً بقوتها وضعفها، كي لا تذبح وتقطع وكي يسمح لها بالعودة حينما ترهق الساحة بالدم، كأن شيئاً لم يكن!

