حكومتنا الرشيدة، لا اطال الله لها عمراً، تسعى جاهدة لترسيخ مناصب الوزراء فيها إلى الحد الأقصى بمن فيهم وزراء الدولة نزولاً حتى "وزراء الكواليس"، أو ما يسمونهم في الميدل إيست "Corridor Managers" للإبقاء على المحبطين بينهم وإلغاء ما تبقى من ظلال المعارضة. بل ربما يبدو بعضهم بدون حقائب، بل بدون مكاتب يجلسون وراءها…
في الوقت عينه، وعلى مسمع ومرأى الحكومة، يمر خريجو الجامعات في لبنان، خاصة في الظروف الحاضرة، بأزمة خانقة مستعصية: إيجاد عمل بعد التخرج. والمضحك المبكي أن هذا ليس ثقلاً عليهم فحسب، بل إحراجاً لأهلهم الذين يحبون التغني بنجاحات أبنائهم.
في جلسة ضمت عدداً من الأمهات، دارت الأحاديث حول مشاريع الأبناء في اقتناص سوانح العمل. وسألت إحدى النسوة صاحبتها عن خطط ولدها:
– لقد تخرج بماجستير في الإقتصاد. وينوي قيادة سيارة تاكسي. لا شك أنه محظوظ في الحصول على هذا العمل.
– يبدو أن لديكم "واسطة"؟.
– الحقيقة أن والده يعرف صديقاً لديه ثلاث سيارات تاكسي. حاول وسيم في البدء أن يجد عملاً بنفسه، لكنه بعد أن زرع بلاط الشوارع لشهرين، رأى أن يلجأ لمساعدة والده. وماذا عن ابنتك سمية؟.
– سمية تخرجت بدرجة في العلاقات العامة. وقد حصلت فوراً على عمل في فندق الوادي الأخضر. ومع أنها حالياً تغسل الصحون، إلا أن بمقدورها يوما أن تصبح مساعدة "للمتر دوتيل". لقد حاولت العمل كبائعة في الـABC، لكننا نصحناها ألا تتطلع كثيراً لفوق، بعد أن سمعنا أن ABC تشترط شهادة الدكتوراه مطلباً أساسياً في قبول البائعات.
– نعتقد أن ولدنا أسعد واتاه حظ كبير. فبعد تخرجه من كلية الحقوق تم اختياره لوظيفة مرموقة…
– مع مكتب للمحاماة؟.
– كلا. في مكتب البريد بطرابلس. وسيكون عمله تنسيق الرسائل وتوزيعها على سعاة البريد.
– لا بد أنكم فخورون به!.
– لا بأس. بعد سبع سنين من التضحيات!. وماذا عن ابنك منير، إنه الآن مهندس ميكانيكي على ما أعتقد..
– إنه سعيد جداً. قبل تخرجه، كان يعمل ثلاث ساعات يوميا في محطة للبنزين. وقد سر أصحاب المحطة به لدرجة أنهم "ثبتوه" في العمل بوقت كامل بعد التخرج. آه لو رأيته كيف يصلح بسرعة وطواعية دواليب السيارات…
– أليست إبنتك هند حائزة على الماجستير في علم النفس؟.
– وبتفوّق!. إنها تعمل الآن في الإعلانات المبوبة بجريدة يومية. ويعطونها نسبة عن كل إعلان يتعدى الخمسة سطور. ما يضيف إلى دخلها الشهري حوالي سبعين دولاراً…
– إنها عيوقة. كم أود إبننا يوسف أن يتعرف عليها. لقد تخرج مهندسا زراعياً. ويعمل الآن في مؤسسة كبرى تبيع النباتات المنزلية…
– يبدو أنها متعلقة بشاب تخرج حديثاً بدكتوراه في إدارة الأعمال. وحيث أنه يتقن أيضاً أربع لغات، يسعى الآن جاهداً ليصبح مضيفاً في طيران الشرق الأوسط…
– أعتقد أن الحظ حالفنا جميعاً في أبنائنا. هل أنا على صواب في أن ابنك تخرج هذه السنة بدكتوراه في طب العيون؟…
– كل الصواب يا عزيزتي. وسيباشر عمله قريباً في مستشفى تخصصي كبير…
– قي بيروت أو طرابلس؟.
– بل في مدينة قندهار، بأفغانستان!!…

