ذاكرَةُ حروبِنا حلبةٌ : جنبلاطُ شهرزادُها

وليد جنبلاط

عوضَ أن أجالس وليد جنبلاط ومحاوره أحمد منصور طوال اثنتين وعشرين ساعة ونصف الساعة عبر قناة الجزيرة القطرية، ضمن برنامج «شاهد على العصر»، فضّلتُ تخصيص نهاية الأسبوع الماضي لكتابه الصادر حديثًا في باريس عن دار ستوك: «مصير مشرقي، من الحرب الأهلية إلى السلام الغامض».
الحقّ أن البك أستاذ في «السولفة» والدعابة السوداء والتهكّم، وهو لا يكاد يغيب برهة حتى يتسلّل مشتاقًا إلى الحلبة أو الخشبة: «أنا هنا. البطولة لي، النصال لا تجرحني. تذكّروا أنني مثنًى وثلاث نجوت من موت محدِقٍ. أضف إلى ذلك أنني التقيت صدفة بقاتل أبي، وأن إيلي حبيقة اعترف لي أنّه نوى عليّ…»
هكذا هو أبو تيمور : منجم أخبار وطرائف سوداء. صحيح أنّ حروبه الحميمة تلك التي قاد خلالها جيشه المقدام قد ولّت، بيد أنّ حلو تلك الأيام ومرّها يشكّلان عمود ذاكرته الفقري .
وُلد الزعيم وليد جنبلاط يوم اغتال نظام حافظ الأسد والده كمال. وُلد من رحم اغتيال سياسي لعين تسبّب بمقتلة
درزية/ مسيحية أيقظت وحوش ١٨٦٠.

١٨٦٠ و١٦ آذار ١٩٧٧ تاريخان مفصليان .

يتلعثم الوليد بالفرنسية أمام جمهور فُصّل الكتاب على قياسات «حقوق إنسانه» و«ديمقراطيته»، وهما قيمتان، يرى أنّ الديمقراطية منهما على طريق الأفول. يتلعثم، ويستعجل الانتقال إلى مرويات أخرى: «ما كان كان. تأخّرت. لن أبدّل اليوم قناعاتي»، بيد أنّه يفعل، إذ قرأ واستفاد من كتاب آليكس راول «الناصرية ومواريثها»: «نبّهني الكتاب مؤخرًا إلى اقترافات جمال عبد الناصر» أيّامذاك للأسف “كنتُ ذئبًا بين الذئاب ” أو في لحظة بوح سريعة : ” لستُ ملاكًا “.
يُقرأ كتاب وليد جنبلاط أو قل يُسمع: فمهندساه مانويل كركاسون وسيباستيان لو كورتوا أصغيا إلى حديثه، نسّقاه فصولًا قصيرة ومركّزة، خالية من الألغام البلدية، حملاه إلى قارئ يحب مراجعة ما يعرفه عن تاريخ لبنان .
على مشارف الثمانين، وهو محتفظ بدلاله ومشمشه، وبعد أن سلّم المختارة والحزب والنيابة إلى بكره تيمور، يخوض غمار السرد.
السرد والذاكرة، على انتقائيتهما وظلالهما، معتركٌ خطيرٌ وما من شكّ أن البك، محبّ القراءة والجمال قد أدرك أنّ شهرزاد الحكاية والكلام المباح هي من خلّدت شهريار .

المصدر: حساب الكاتبة على فايسبوك

السابق
البترون تحتفل والجنوب ينزف.. فيديو يشعل مواقع التواصل ويثير تفاعلاً