مطلـوب صـور إيكـو لجنيـن الثـورة

الحديث يتزايد بحماسة عن مناطق محررة. قادة في المعارضة السياسية وضباط في الجيش السوري الحرّ يرددون أن «المناطق المحررة» أمر واقع، ولم يعد النظام فيها يملك أية سيطرة. إذا، النظام ليس فاعلا هناك. إنه واقع، لدرجة أن حاملي لوائه ينقلونه في نسب مئوية. ثمة من يطالب الآن بإدارة للمناطق المحررة، بمعارضين يأتون ليكملوا من هناك. تنقل لنا صور عن انتخابات تجري لاختيار مجالس إدارة لبلدات محررة. بعد كل هذا، هل علينا أن نهضم تصريحات تكتفي بالقول: «هناك أخطاء حصلت»، وهذه «أخطاء فردية». هذه تصريحات خرجت بالفعل، من ناطقين باسم الجيش الحر وباسم فصائل معارضة، ردا على تصفيات ميدانية وعمليات خطف وحوادث أخرى.
أحد أبرز أيقونات التبرير في حكم نظام الأسد: هناك أخطاء حدثت، وهناك تجاوزات فردية تحصل. نتذكر أن الأول أطلقه بشار الأسد، بوجه محمر وملامح مرتبكة، من على منبر جامعة دمشق بعد خروج الجيش السوري من لبنان. عاد ليستخدمه مبررا قتل قادة أمنه المجرمين لمتظاهرين سلميين. إطلاق النار على ناس معارضين، يسيرون في الشوارع ويصرخون نريد حرية. كلما سأله أحد، قال: «هناك أخطاء حصلت، وهي فردية». وحسبما نُقل عن نصائح مستشاريه، خصوصا عند مخاطبة جمهور غربي، الأفضل الاعتراف بأن «هناك أخطاء حصلت». فهذا، وحسبما جرُّب، أحد أنفع صيغ الكذب والتنصل من المسؤولية.
هل يشرف المعارضة السورية، بشقيها المسلح والسياسي، استخدام هذه الصيغة؟
لم يحاسب نظام الأسد أحدا ممن أخطأ. ليس هذا اعتباطا. المحاسبة رسالة، وهو لم يرد توجيهها. في النتيجة، لم يرد ردع من يمارسون الجرائم والانتهاكات. إنه بحاجة لهم… ولجرائمهم. هذا ما عناه عدم محاسبة أي مسؤول. لكن قادة الثورة، وخصوصا القوى الثورية الشابة ومثقفي ومفكري الثورة، يعرفون تماما أن ما لا تحتاجه الثورة هو بالضبط الانتهكات والجرائم. وإذا أخذنا بكلام الناطقين الإعلاميين، عن العسكر والسياسيين، فهم يقرون بذلك. يقولون: هذا لا ينتمي للثورة ولا لأخلاقها. إنهم هكذا يؤكدون على مسألة جوهرية: إنها ثورة حرية وكرامة ورصيدها كل ما يدعم الاثنين. أي انتقاص منهما، هو سلب من رصيد الثورة. أي مراكمة للانتهاكات تبني رصيدا لتشوّه سينتج في النهاية. كلما زاد رصيده، كلما قوي وكان فاعلا.
بهذه الطريقة، تكون نشازا تظلّمات مستنكرة من قبيل: رغم كل ما يقوم به شبيحة الأسد، يثور العالم على انتهاك قام به ثوار. لا يشرف الثورة السورية وضعها في مقابل أدوات نظام مجرم. أي ارتضاء أو إذعان لمقارنة من هذا القبيل هي عمل ضد الثورة.
وكي لا يعد هذا الكلام «حالما»، ينبغي التنويه بمدونة طرحتها «لجان التنسيق المحلية» أخيرا للنقاش العام. المدونة مشروع رائد، وإن تأخر قليلا، وقعها ضباط في الجيش الحر، وتضمنت جملة قواعد بمثابة «عهد وطني» عسكري، هدفها «حفز مزيد من الانتباه إلى قواعد العمل العسكري الأخلاقية والسياسية».
الحديث عن مناطق محررة إقرار بالمسؤولية تجاهها. كنت مع السلاح أو ضده، هناك مسؤولية مباشرة للجيش الحر عما يحدث باسم المعارضة المسلحة، من يتبع له أو يُلحق نفسه به. الرأي العام لا يعرف، والكل عندهم هم «جيش حر». هذه مسؤولية كبيرة، وعلى الجيش الحر التصدي لها. نرى قادة عسكريين منشقين، ألوية وعمداء، واجبهم النهوض بمهام القيادة، وهؤلاء يعرفون أصول السلاح. أضعف الإيمان سيكون تسمية الفاعل، ووضع ما يحصل أمام الرأي العام. هنا يحضر السؤال: هل حاسب الجيش الحر أحدا؟ هل عزل أو سجن؟ لم نسمع بذلك. جرى الحديث عن انتهاكات، ولم يتبعه حديث عن محاسبة. إذا، لا رادع. تسويف المحاسبة، والوعد بها على طريقة: بعد نجاح الثورة، هو تنصل من المسؤولية لا يذكرنا إلا بما نريد الخلاص منه.
لا يجب السكوت إطلاقا عن هذه المسألة. في بدايات الثورة، كان الحديث مسقوفاً، وعن حق، بالانتباه ألا يستخدم النظام ذرائع أو ما يدعم دعايته الكاذبة. الآن لا مبرر كهذا. النظام وإعلامه، يتعاملان بسفالة باهرة، مكملا من حيث بدأ. إنه نظام الحديث الوحيد معه هو أمام المحاكم. لم يعد هناك أي داع لأخذه باعتبار النقاش والتداول الخاص بالشؤون الداخلية للثورة. إنها مشروع قائم لدولتها وبنائها، حيث لا مستقبل لها بدون النقد والمحاسبة والقانون. هذا تحد أمام الفاعلين في الثورة، وخصوصا قوى الثورة الشابة (أين ائتلافها الموعود؟)، ومثقفيها ومفكريها. هذه مبادئ، عملية وجوهرية، ولن ننتظر من الحديث الفضائي، المنشغل بخرائط المعارك، إثارتها وتبنيها. فحتى النشطاء المدنيون والسلميون يشكون، الآن، من تجاهل لافت لعملهم الثوري ولمظاهراتهم.
بعض الناشطين استكانوا، وعن قلة حيلة، لصوت المعارك. يقولون: لم يعد مهما، نعرف أن هناك حالة حمل قائمة والمولود سيأتي في النهاية، ولا يمكننا التأكيد كيف سيكون. ليس صحيحا. الحمل مسؤولية، وبمجاز وثيق الصلة، نعيش في عصر لم يعد فيه المولود يأتي على عماها. يمكننا من الآن معرفة معطيات تجنبنا، وتجعلنا مستعدين للقادم. يقال للمرأة الحامل الآن: لا تفعلي هذه الأشياء لأنها تؤذي صحة الوليد. مسؤولية الأم توفير «صورة إيكو» دورية عن حالة جنينها. صار يمكن معرفة ما يعاني منه المولود قبل أن يرى الحياة. وصار ممكنا محاولة علاجه وهو في بطن أمه.
يقال لمن تحمل جنينا: هذه «الحقائق»… وأنت أمام مسؤوليتك.
قد يقال هذه نداءات «حالمة»، لكن الثورة ليست أقل من حلم نقله السوريون إلى شاشة الواقع. الأمر عاجل. هناك نشطاء، ميدانيون ومدنيون، يجدون أنفسهم مدفوعين للانتحاء جانبا. من يريد إخراجهم من الميدان، ولأي صالح؟! ما نعرفه أن تهميشهم لا يذهب لرصيد قيم دفع الآلاف أرواحهم ثمنا للمطالبة بها.
هؤلاء ليسوا أرقاما. إنهم أمامنا، سنراهم دائما في لوحة ملحمية، تبرق فيها صورهم مبتسمين لثورة حمّلوها جنين دولة الحرية والكرامة والمواطنة.
  

السابق
علي: انشقاق حجاب مفاجأة مزعجة
التالي
الشـائعات تضـرب موسـم الصبـار الحاصباني