كان بسطاء الشيوعيين، وما زالوا على رغم سقوط الاتحاد السوفياتي، يؤمنون بالحتمية التاريخية، وبانتقال المجتمعات من الحالة البدائية إلى الشيوعية، بعد هزيمة الرأسمالية والكولونيالية… إلى آخره من تبسيط مقولات الفكر الماركسي.
اليوم يأتي الأميركيون (من دون تبسيط) ليحددوا الجانب الصحيح من التاريخ. في تعليقه على موقف روسيا والصين الداعم للنظام السوري، قال الناطق باسم البيت الأبيض جاي كارني إن الولايات المتحدة أبلغت إلى موسكو وبكين «أن دعم نظام الأسد بمثابة الوقوف في الجانب الخطأ من التاريخ». وأضاف أن «الأسد سيبقى إلى الأبد في الذاكرة لما ارتكبه نهاية الأسبوع الماضي (مجزرة الحولة) ولما فعله خلال الأشهر الـ15 الماضية».
ليس سراً أن ما تسعى إليه الولايات المتحدة وحلفاؤها هو استصدار قرار من مجلس الأمن لاستخدام القوة ضد النظام السوري، فسقوطه «حتمية تاريخية»، بالتعبير الأميركي المستعار من الشيوعية. وكلما كان ذلك سريعاً، قلّت المجازر وتجنب الشعب السوري الحرب الأهلية التي يحذر منها الجميع.
الواقع أن الموقف الروسي والصيني ليس وحده ما يعوق استخدام القوة وحركة التاريخ، أي شن الحروب بالمفهوم الأميركي، فعندما وجدت الولايات المتحدة أنها تستطيع خوض الحرب احتلت العراق لإزالة «الخطأ» والوصول إلى «نهاية التاريخ»، بتعبير فرنسيس فوكوياما، من دون أن تلتفت إلى الدول الرافضة في مجلس الأمن، وبينها فرنسا في ذلك الوقت، واكتفت بـ «تحالف الراغبين».
ولربما كانت تصريحات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أفضل تعبير عن رغبة واشنطن في شن حرب على سورية، ليس التاريخ ما يحول دون ذلك، بل عوامل سياسية وعسكرية كثيرة. قالت كلينتون مقارنة بين سورية وليبيا: «إن المجتمع السوري أكثر تنوعاً، وفيه انقسامات عرقية أكبر. ولا توجد معارضة موحدة. كما أن دفاعاتها الجوية أقوى وقدرات جيشها تفوق كثيراً قدرات جيش القذافي. وفضلاً عن ذلك لا يوجد تأييد دولي بسبب معارضة روسيا والصين في مجلس الامن».
نسيت الوزيرة الأميركية، أو تناست عن قصد، سبباً مهماً يحول دون شن الحرب الآن على دمشق. وهو أن إسرائيل معنية مباشرة بهذه الحرب، ولا بد من إشراكها فيها، وهذا يعني، في ما يعنيه، تغييراً في نظرة المعارضة السورية إلى النظام قد يؤدي إلى شرذمتها أكثر مما هي متشرذمة، عدا قلة قليلة منها لم تعد تعير الصراع مع إسرائيل أهمية.
الواقع أن الولايات المتحدة تعمل جاهدة لإنضاج الظروف الملائمة لشن الحرب على سورية. هي تسعى إلى إقناع روسيا بتغيير موقفها. وتأمل في ذلك خلال لقاءات الرئيس فلاديمير بوتين مع الزعماء الأوروبيين. وتسعى إلى توحيد المعارضة، وتسليحها، ودعمها مالياً وسياسياً. لذا يكرر المسؤولون الأميركيون عندما يسألون عن الأمر أن التدخل العسكري مطروح، لكن «ليس الآن». تحدثت السفيرة سوزان رايس عن ثلاثة سيناريوات: تطبيق سورية خطة السلام برعاية الامم المتحدة، او تشديد مجلس الامن الضغوط على دمشق، أو شن عمل عسكري. واستبعدت السيناريو الأول والثاني، مرجحة السيناريو الأخير. لكن «ليس الآن».
أما وزير الدفاع ليون بانيتا فقال: «اننا نحتفظ بكل الخيارات على الطاولة».
نستطيع تلخيص التحرك الأميركي في هذه المرحلة في ثلاث نقاط: شيطنة النظام السوري، والعمل على اهتراء الوضع الداخلي من خلال الحصار، وجمع أكبر عدد من مؤيدي الحرب. وتحييد إسرائيل قدر الإمكان، قبل الإقدام على أي عمل عسكري لا يستطيع أحد تقدير خطورته وتأثيره في كل الشرق الأوسط.
الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ محاولة لتبرير الحروب «العادلة».

