على وقع المذبحة المروعة التي راح ضحيتها 108 مدنيين سوريين واكثر من 300 جريح في بلدة الحولة القريبة من حمص، يوم الجمعة الماضي، واثارت غضبا عربيا وعالميا واسعا، يصل المبعوث الدولي والعربي كوفي انان إلى دمشق اليوم، ليبدأ سلسلة من اللقاءات الرسمية تسبق تقييما أوليا لمهمات بعثة المراقبين، التي بدا عليها الحرج والذهول امام هول المذبحة الاكبر منذ بدء الازمة السورية قبل 15 شهرا، ما انعكس تشوشا في مجلس الامن الدولي الذي عقد جلسة طارئة مساء امس، دعا فيها المندوب الروسي الى التحقق من مسؤولية النظام السوري.
وقال رئيس مجلس الأمن إن المجلس ندد بالإجماع بالحكومة السورية بسبب هجمات بالأسلحة الثقيلة على بلدة الحولة حيث وقعت المجزرة. وقال بيان غير ملزم أصدره المجلس «يندد مجلس الأمن بأقوى العبارات الممكنة بأعمال القتل التي أكدها مراقبو الأمم المتحدة لعشرات الرجال والنساء والأطفال وإصابة مئات آخرين في قرية (الحولة) قرب حمص في هجمات شملت قصفاً بالمدفعية والدبابات الحكومية على حي سكني».
وقال البيان الذي تلاه نائب سفير اذربيجان لدى الأمم المتحدة توفيق موساييف «يندد مجلس الأمن أيضاً بقتل مدنيين بإطلاق الرصاص عليهم من مسافة قريبة وبالانتهاكات البدنية الجسيمة».
واعتبر مجلس الأمن ان هذا الاستخدام للعنف «يعد انتهاكا للقوانين الدولية ولالتزامات سوريا بقرارات مجلس الأمن»، داعياً إلى «محاسبة المسؤولين».
وكانت السلطات السورية قد نفت في وقت سابق امس مسؤوليتها عن المذبحة. وأشار المتحدث باسم وزارة الخارجية السورية جهاد مقدسي الى ان قوات حفظ النظام كانت لحظة وقوع المذبحة تتعرض لهجوم واسع النطاق من مئات المسلحين بالاسلحة الثقيلة والحديثة، وذلك للمرة الاولى منذ بدء المواجهات، ودعا الى التدقيق في مصادر الاتهامات الموجهة الى السلطة، وفي اهداف مثل هذه الاتهامات.
ويلتقي المبعوث العربي والدولي انان فور وصوله مسؤولين دوليين من المنظمات الدولية العاملة في دمشق، ولا سيما المختصة بشؤون اللاجئين والشؤون الإنسانية لتقييم أدائها ومستوى تعاون السلطات والمنظمات المحلية معها. كما يلتقي أيضا وزير الخارجية السوري وليد المعلم، على أن يلتقي الرئيس السوري بشار الأسد غدا.
ولم يطلب انان، الذي سيقدم إحاطة إلى مجلس الأمن الدولي الأربعاء، أي موعد من رموز المعارضة السورية، علما بأنه دعا وفدا من هيئة التنسيق الوطنية المعارضة للاجتماع به في جنيف لبحث «أفكار وتصورات للحل في سوريا». وقال المتحدث باسم الهيئة منذر خدام لـ«السفير» ان وفدا من الهيئة موجود في القاهرة أيضا، بناء على دعوة من الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي على أن يلبي دعوة من أنان. وأضاف ان
الهيئة قدمت للموفدين الدوليين الذين زاروا سوريا مؤخرا وللجامعة العربية تصورات يمكن أن تمثل حلا وسطا للازمة المتفاقمة، بينها إجراء استفتاءات شعبية حول قضايا خلافية، برقابة دولية.
وقال دبلوماسي في الأمم المتحدة ان رئيس بعثة المراقبين في سوريا الجنرال النروجي روبرت مود ابلغ مجلس الأمن، عبر دائرة تلفزيونية مغلقة من دمشق، أن 108 اشخاص على الأقل قتلوا وجرح 300 في مجزرة الحولة. وأوضح مود أن الضحايا أصيبوا بـ«شظايا قذائف» أو قتلوا «عن مسافة قريبة».
وشككت موسكو في مسؤولية النظام السوري عن المجزرة التي ارتكبت في الحولة. وقال مساعد الممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة ايغور بانكين «علينا ان نتأكد مما إذا كانت السلطات السورية» مسؤولة عن المجزرة، لافتا الى ان «معظم» الضحايا قضوا بالسلاح الأبيض او «اعدموا عن قرب»، الامر الذي يتناقض مع
تأكيد المراقبين الدوليين أن الضحايا تعرضوا لقصف مدفعي.
وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية جهاد مقدسي نفى أي مسؤولية للسلطة فيها، مشيرا الى وقوع مجزرة اخرى في قرية الشومرية القريبة ايضا. وقال مقدسي، في مؤتمر صحافي في دمشق، ان «مئات المسلحين بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة هم من هاجم منطقة الحولة بريف حمص بعد أن تجمعوا من مناطق عدة بشكل مبيت ومخطط له، في حين لم تغادر قوات حفظ النظام والأمن أماكنها، بل كانت في حالة دفاع عن النفس كما لم يكن هناك دخول لأي دبابة أو توجيه مدفعية إلى المكان الذي ارتكبت فيه المجازر».
وقال مقدسي إن «الدولة السورية مسؤولة عن حماية مواطنيها من المدنيين والقوات الحكومية، ومن واجبها الدفاع عن المدنيين وفق الدستور، وهذا الأمر لن يتوقف، وسوريا تحتفظ بحق الدفاع عن مواطنيها سواء من أعجبه هذا الأمر أم لم يعجبه، فالموضوع ليس لعبة سياسة، بل هناك أمن وأمان للمواطنين تقع مسؤوليته على الدولة السورية، وهذا هو ما تقوم به بالشكل المتناسب».
وأكد مقدسي أن «سوريا شكلت لجنة عسكرية عدلية ستقوم بالتحقيق بكل المجريات وستصدر النتائج خلال ثلاثة أيام». وقال إن «المعلم تحدث مع انان الذي سيصل إلى سوريا غدا (اليوم)، ووضعه بصورة ما جرى بالتفصيل وبصورة التحقيق الرسمي الذي يجري حاليا».
ولفت مقدسي إلى ما أسماه «تزامنا مريبا» لهذه الهجمات، إما مع انعقاد جلسة لمجلس الأمن أو الإعلان عن زيارة انان لسوريا، معتبرا أنه «ضرب للعملية السياسية التي تلتزم بها سوريا، وتؤكد أن الحل سياسي بامتياز وأن التهدئة هي أساس المجيء إلى طاولة الحوار».
وأضاف مقدسي «إننا نعترف بأن لدينا أزمة، لكن الحل ليس في ضرب استقرار سوريا بل بمد يد العون لها كما يفعلون مع دول أخرى، لكن إذا أرادوا المواجهة فنحن لن نتبخر بل موجودون على هذه الأرض، وسندافع عنها ضمن ما يتاح لنا من حقوق ونتعاون دوليا بما لا يضر مصالحنا».
وحول الحديث عن نهاية الأزمة وما إذا كانت مجزرة الحولة وضعتها في نقطة معقدة أكثر، قال مقدسي إن «أحدا لا يستطيع وضع تواريخ، لكن إذا ما قبلت المعارضة الخارجية والدول التي تدعمها أو التي تسلح وتمول وتستضيف الإرهابيين بالعمل السياسي لحل الأزمة، نستطيع القول إنها دخلت نهايتها، فسوريا وافقت على الحوار وقبلت بالخطة الصينية، والمقترح الروسي باستضافة جلسة تمهيدية للحوار، لكن من رفض هو من يخاف من الشارع، ومن استحقاق الديموقراطية، بينما نحن واثقون بشارعنا وواثقون بأن الرئيس بشار الأسد يتمتع بالغالبية اللازمة للنهوض بسوريا وتحويلها ديموقراطيا، كما يشتهي السوريون، وليس كما تشتهي دوائر الغرب وبعض العرب».

