لم تنم عاصمة الشمال اللبناني منذ السبت، وإذا كانت المواجهات محصورة في محيط شارع سورية الفاصل بين التبانة (السني) وجبل محسن (العلوي)، فإن دوي القذائف وأزيز الرصاص، كانا كافيين لابقاء الناس في الاحياء الأخرى أسرى التوتر والقلق والخوف من الآتي.
الاجتماعات التي عقدت في منزل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، أو في منزل المفتي مالك الشعار، لم تتوصل الى حلول، الجيش لم يستكمل انتشاره على خطوط التماس لأن الجهات «الاسلامية» المنتشرة تشترط لذلك اطلاق سراح الموقوف السلفي شادي المولوي، وآخر المشاورات توصلت الى امهال ذوي المولوي وحلفائه المعنيين حتى الرابعة من بعد ظهر امس لاطلاق سراحه، وإلا فإن الاعتصامات ستتكرر وتتوسع، لكن الجهات القضائية التي تتولى التحقيق معه تتريث في اطلاقه رغم الضغوط السياسية المكثفة بداعي استكمال التحقيقات معه.
وعلى هذا الاساس، اقتنع المعتصمون في ساحة النور باخلاء خيامهم في ساعة متقدمة من مساء امس الاول، فيما ابقوا على خيامهم منصوبة استعدادا للعودة إذا لم يستجب المعنيون للمهل المعطاة.
لكن الاستجابة لم تحصل، وقبل حلول المهلة كانت النيابة العامة العسكرية تدعي على المولوي وخمسة مواطنين اخرين موقوفين معه، بجرم الانتماء إلى تنظيم ارهابي مسلح (القاعدة) بقصد ارتكاب اعمال ارهابية في لبنان وخارج لبنان، واحالهم إلى قاضي التحقيق رياض ابو غيدا، طالبا توقيفهم.
واشار القاضي صقر صقر الى ان هناك عشرة اشخاص لبنانيين وغير لبنانيين يجري البحث عنهم لاعتقالهم.
وإثر إذاعة خبر الادعاء، تجددت الاشتباكات على محاور التبانة وجبل محسن.
وكان الليل الساخن، أسفر عن مقتل جندي آخر برصاص القنص إضافة إلى جريح وظهرا قتل مواطن داخل منزله.
الرئيس نجيب ميقاتي ترى أوساطه أن جزءا مما يحصل يستهدف وجوده السياسي في عاصمته طرابلس.
بدوره، الوزير محمد الصفدي وبعد الاجتماع المسائي للمجلس الأعلى للدفاع اعلن انه سيتقدم بدعوى قضائية ضد المديرية العامة للأمن العام على
خلفية توقيف مولوي بعد استدراجه الى مركز الصفدي للخدمات، ولاحقا اعلن احمد الصفدي مدير مركز محمد الصفدي للخدمات ان وكيل الوزير الصفدي تقدم بالشكوى رسميا.
بالمقابل رفض مسؤول في الامن العام الخوض في سجال حول هذا الموضوع موضحا ان الرواية الحقيقية للحادث لم تعلن من قبلنا بعد، وننتظر الوقت المناسب لقول الحقيقة، في قضية توقيف المولوي، مشيرا الى ان جهاز الأمن العام هو ضابطة عدلية تقوم بدورها وتؤدي مهماتها في إشراف القضاء المختص ككل الاجهزة المعنية كجيش وأمن داخلي وغيرها من الضابطات العدلية.
واضاف: ما نقوم به يخضع للقوانين المرعية ويخضع للقضاء، رافضا التعليق على دعوى الوزير الصفدي ضد المديرية العامة.
وكان الرئيس ميقاتي رفض التوقيف بالشكل الذي حصل، اي عن طريق الاستدراج والخدعة، الى مقر يخص احد الوزراء، وقال ان ذلك مرفوض ومستنكر، وسيكون لنا رأي في هذا الموضوع، وانا شخصيا ضد ذلك، اما بالنسبة للتهم الموجهة الى المولوي فإن القضاء هو الحكم.
اما النائب وليد جنبلاط فقد أجرى اتصالات سياسية وأمنية مؤكدا على ضرورة المعالجة السياسية بما يضمن عدم زج الجيش في طرابلس، وتحييده عن التجاذبات الداخلية وتفريغه لحماية السلم الاهلي.
وطالب جنبلاط باطلاق المولوي ومعالجة الامور وفقا للاصول، للحؤول دون تكرار التجاوزات من غير اصحاب الصلاحية.
لكن المجلس الأعلى للدفاع اثنى على دور الاجهزة الامنية وضبط الشبكات وتحرير المخطوفين وضبط تهريب الاسلحة.
في غضون ذلك ابلغت شخصيات طرابلسية رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ان النظام السوري ارسل لائحة باسماء ناشطين لبنانيين لحساب المعارضة السورية، وطلبت القبض عليهم، وان اعتقال المولوي تم في هذا الاطار، وطالبت هذه الشخصيات رئيس الحكومة باتخاذ موقف. واضافت: ان المطالب السورية شملت توقيف ناشطين لبنانيين وثوار سوريين وعناصر من الجيش الحر، اضافة الى تنفيذ مطالب العماد عون بالتعيينات والانفاق المالي وقانون الانتخابات على اساس النسبية.
لكن الرئيس ميقاتي نفى أمس ان يكون تلقى مثل هذه الرسالة.
ويذكر ان شادي المولوي، كشخص ذو شأن متواضع على مستوى القيادات السلفية، حيث يعمل في مكتبة متواضعة داخل سوق العطارين في طرابلس، ويتولى في الوقت نفسه مهام انتاج الكتب للمشايخ السلفيين وتسويقها. وشاع مؤخرا انه تواصل مع المعارضة السورية، وانه زار سورية مرات عدة وعاد منها قبل بضعة ايام.
وردا على اتهامه بالانتماء الى القاعدة، قال الشيخ بلال دقماق، ان شادي لو كان مع «القاعدة» لما احتاج الى مساعدة الوزير الصفدي البالغة 750 ألف ليرة لادخال ابنته الى المستشفى.
واستغرب دقماق، وهو من التيارات الاصولية، في اتصال مع قناة الجديد، كيف يحكم على عميل لاسرائيل بالسجن سنتين ويطلق سراح قاتل ضابط طيار اثناء تحليقه في مهمة تدريبية فوق الجنوب، بينما يرزح 168 شابا أصوليا لبنانيا في السجون منذ 4 سنوات دون محاكمة، ولماذا لم يتبع هذا الاسلوب الامني في القبض على المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟!
هذا الموضوع بدا وكأنه في اساس الاحتجاجات والاعتصامات التي اجتاحت طرابلس منذ يومين، ولقد كانت عنوان الطروحات التي عرتضها الفعاليات الطرابلسية على الرئيس ميقاتي، الذي وعد بتسريع عملية المحاكمة.
بيد أن فريق الثامن من آذار، اضاف الى هذه الخلفية، خلفية تهريب الاسلحة والذخائر الى طرابلس، ويقول مصدر ذو صلة ان الشلل المخيم على المدينة يشكل الفرصة المثالية للقوى الداعمة للمعارضة السورية لتمرير السلاح في كل الاتجاهات.
وتأكيدا لمثل هذه الاستنتاجات، لاحظ رفعت عيد رئيس الحزب العربي الديموقراطي ان كثافة النيران التي اطلقت من التبانة كل الليل الفائت، فاقت توقعاته حول حجم الطاقة النارية المتوافرة للطرف الآخر.
ويرد الشيخ دمقاق بالقول ان عيد يتجاهل ترسانة الاسلحة الثقيلة التي اودعها السوريون في جبل محسن عشية انسحابهم من لبنان.
من جهته اعلن الشيخ احمد الاسير امام جامع بن رباح في شرق صيدا، رفض ما وصفه بالهيمنة على أي جهاز امني من اجل استعماله فئويا.
وقال: نحن نحذر من التحريض على الطائفة السنية ونقول لمن يظن ان بوسعه ارهابنا بشتى الاساليب لمنعنا من تأييد الشعب السوري: أنت واهم. كما اتهم الأسير حزب الله بتوزيع السلاح على اتباعه في كل مكان.
في غضون ذلك اعلنت السفارة السعودية في بيروت انه «تم تأجيل زيارة السفير علي عواض عسيري إلى مدينة طرابلس، المقررة اليوم الثلاثاء الى موعد يجري تحديده لاحقا».
وكانت «الأنباء» اشارت إلى الزيارة التي قد تكون ضمن اهداف العنف المشتعل في المدينة.

