لا يترك عتاة 8 آذار بينهم «للصلح مطرح». يضيق كلّ صالون في حلف الممانعة اللبناني بالنقد والاتهام بحقّ الصالون الآخر. وباستثناء المقاومة والرئيس السوري بشّار الأسد، لا شيء يجمع «الأعدقاء». يقفون على بعد عام من انتخابات نيابية مصيريّة. وفي عزّ معركة «استراتيجية» يخوضها محورهم، من لبنان إلى طهران، ينزوي كلّ في زاويته: خلاف على زاروب، موقعة على بلدية وحرب طاحنة على زعامة لا تُسمن.
للانتخابات البلدية الأخيرة آثارها على جسد 8 آذار. في صيدا، النائب السابق أسامة سعد ورئيس البلدية السابق عبد الرحمن البزري لا يلتقيان إلّا في المناسبات. البعد صار جفاء بين خصمي تيّار المستقبل في المدينة. يتخطّى «الزعل» في التنظيم الشعبي الناصري حدود العتب على البزري. يرى الناصريون أنّ الأخير «باعنا عند مفترق طرق الانتخابات البلديّة الأخيرة». البزري في نظر حليفه تركه وحيداً مقابل حصّة من عضوين بلديّين و«نصف». البزري يبرّر ما قام به بضرورة «تحييد البلدية عن التجاذب السياسي، فالمدينة بوضعها الإنمائي المزري تحتاج إلى بلدية توافقية لا بلدية من لون واحد». لا جديد عن أخبار «شيوخ الصلح» بين الرجلين.
بين صيدا والجبل، تبدو الصورة واحدة. بين النائب طلال ارسلان والوزير السابق وئام وهاب حرب «داحس والغبراء». يتحاشى الرجلان اللقاء حتى في مناسبات عامّة. آخر جلسة مصارحة بينهما، بحسب وهاب، حصلت عام 2007 في مكتب نائب وزير الدفاع السوري العماد آصف شوكت. جمع شوكت أرسلان ووهّاب بحضور النائب السابق فيصل الداوود وشهود آخرين. خرج اللقاء بعدها بضرورة التآزر والتنسيق، ثمّ عشاء في خلدة بحضور رئيس المجلس الأعلى في الحزب السوري القومي الاجتماعي محمود عبد الخالق. وكان مقرراً أن يبدأ الإعداد جديّاً لتجمّع سياسي درزي ينافس النائب وليد جنبلاط. في صالون وهاب: «أرسلان وعد أن يردّ خبراً، مرّت الانتخابات النيابية والبلدية، ولم يرد بشيء حتى الساعة». في صالون خلدة، يرى أرسلان، بحسب زواره، أن دور وهاب ليس كسب مناصرين يزبكيين بل جنبلاطيين: «بيشيل من حصتنا وبيحطّ بالخرج». وهاب يرى أن أرسلان لا يقبل أن يحرّك حجراً عن حجر في قرية درزية من دون العودة لجنبلاط، فكيف له أن يشارك في تكتل سياسي ضدّه؟ فاعلو الخير كثر على خطّ خلدة ــ الجاهليّة. السفير السوري وحزب الله حاولا أكثر من مرّة وصل ما انقطع… من دون نتيجة.
الاشتباك الدرزي ــــ الدرزي لا تقف حدوده في الجبل، بل يطال راشيا. علاقة أرسلان بالداوود سيئة هي الأخرى. مفيد سرحال، أحد حراس الزعامة «الداوودية» حزم امتعته ورحل إلى رئاسة دائرة راشيا في حزب المير. الداود أكثر من غاضب على استقطاب الارسلانيين لجمهوره. بينما يردّ هؤلاء بأنّ الداوود لم يعد يلبيّ طموح ناخبيه وخسر قاعدته الشعبية، والحلّ في استيعاب هذه القاعدة حتى لا تذهب لحساب جنبلاط.
إلى عكار، حيث الخلاف القديم ــــ الجديد بين النائبين السابقين وجيه البعريني وطلال المرعبي. الكلام صفر. اللقاءات صفر. التنسيق دون الصفر. البعريني لا يعتبر المرعبي في 8 آذار أصلاً، يحمل عليه غياب الصدقيّة وارتماءه في أحضان المستقبل. المرعبي يمتعض في صالونه الضيّق من هيمنة البعريني، ويتهمه بالعمل في الساحات المشتركة بدل العمل في ساحات خصمهما الأزرق. يدرك الطرفان حاجة أحدهما إلى الآخر. فالسياسي الناجح هو الذي يعطي وليس الذي يأخذ بحسب المرعبي. هنا لم يدخل أحد في الصلحة لا من سوريا القريبة ولا من حزب الله البعيد.
في بيروت كلّ يغني على ليلاه. مرشح الدائرة الثالثة عن المقعد الشيعي في انتخابات 2009 رفيق نصر الله لا يرى أملاً في توفيق الخصومات المتعدّدة. ويصف مرجع حزبي في بيروت العلاقة بين الآذاريين بالقول إن «كل واحد ناطر التاني على المفرق». رئيس المؤتمر الشعبي اللبناني كمال شاتيلا يعتقد أنّه وريث الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وعلى هذا الأساس يعتبر أن حالة العميد مصطفى حمدان المستجدّة تأخذ من رصيده. علماً أن الأخيرين يتحدّثان عن علاقة استثنائيّة تجمعهما. حمدان، بدوره، كل يوم «دقّي واعصري» مع رئيس حزب التيار العربي شاكر البرجاوي بسبب تنقّل المناصرين في الطريق الجديدة بين المرجعين. رئيس حزب الحوار الوطني فؤاد مخزومي لا يأخذ شيئاً من طريق أحد، ولا أحد يأخذ شيئاً من طريقه، والنائب السابق عدنان عرقجي يدّعي احتكار تمثيل «المعارضة السنيّة» ولا يحسب حساباً لأحد.
زحلة عروس «المشاكل». لم يصلح العطّار بعد ما أفسدته نتائج الاقتراع فيها بين التيار الوطني الحر والنائب السابق إيلي سكاف. العونيون يهربون من ذكر الخلافات، لكنّهم يحمّلون سكاف مسؤولية خسارة انتخابات 2009. سكاف بدوره لن يقبل بتركيبة منسوخة عن التركيبة الماضية (الأخبار العدد 1683). المفاوضات جارية على خط سكاف ــ عون، لكنّها مقطوعة بين البيك الزحلاوي والنائب العائد إلى 8 آذار، نقولا فتوش. حسابات الانتخابات المقبلة التي ينبغي ان تكون دافعاً للتقريب بين الطرفين يرى فيها سكاف سبباً للتباعد.
14 آذار ليست أفضل حالاً من 8 آذار بالتأكيد. لكن عدداً كبيراً من شخصيات تجمّع «شكراً سوريا» وحلفائه يرى ان «الدوزنة» بين المتخاصمين باتت حاجة ملحّة قبل عام من الانتخابات.

