القمة العربية في بغداد ومؤتمر ما يسمى بـ"أصدقاء سورية" في اسطنبول، وقبلهما مؤتمر البريكس، وزيارة وزيرة الخارجية الأميركية إلى المملكة العربية السعودية ولقاؤها مع وزراء دول الخليج، هذه كلها محطات سياسية مهمة، كان عنوانها الرئيسي الملف السوري الذي بات في نظر المتآمرين على سورية بمثابة الخبز اليومي سياسياً وإعلامياً لتلك الجهات، التي تشارك بسفك دماء الشعب السوري لا لشيء إلا للانتقام من الدولة السورية كنظام وشعب حقّقا الكثير من الانتصارات والإنجازات مع قوى المقاومة والممانعة في المنطقة، في وجه الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها "إسرائيل" وبعض العرب وأوروبا وتركيا، وكأن العالم لا يشهد أي تطورات تستوجب المتابعة الإعلامية والسياسية، وخصوصاً ما يجري في البحرين وفي السعودية وحتى في اليمن وليبيا ومصر.
المصادر الدبلوماسية رأت في قمة بغداد بداية مرحلة جديدة، على الأقل في عملية الانتقال التي حصلت في رئاسة القمة من قطر إلى العراق، وإن كان المستفيد الأول من هذه القمة هو العراق سياسياً، بغض النظر عن مستوى التمثيل وما صدر عنها، لأن اعترافاً عربياً حصل من خلال هذه القمة بالدور العراقي الذي يؤمّل منه الكثير على صعيد العمل العربي، وجاءت بوادره عبر كلام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مؤتمره الصحافي الأخير، الذي اعتبرته المصادر الدبلوماسية علامة فارقة في كيفية تعاطي العراق خلال ترؤسه القمة العربية لمدة سنة، في مواجهة الأزمة الراهنة التي تعيشها الدول العربية دون استثناء، وكان أول الغيث من المالكي هو التأكيد على الثوابت حيال الوضع في سورية، أكان من حيث رفضه التدخل الأجنبي ومعارضته قيام دولتين في الخليج بعملية تمويل وتسليح المجموعات الإرهابية، وكذلك معارضته تغيير النظام بالقوة في سورية مع تأكيده على دعم المطالب المحقة للشعب السوري والتي تتجاوب معها القيادة السورية.
وتضيف المصادر الدبلوماسية، إما لناحية انعقاد مؤتمر ما يسمى بـ"أصدقاء سورية" فإنه في الحقيقة هو مؤتمر أعداء سورية، بكل ما تعنيه هذه الكلمة، بدليل المواقف التي أطلقها المشاركون من أجانب وعرب وأتراك، وإن كانت هي نفسها تقريباً التي صدرت في النسخة الأولى في تونس، ولكن يبدو أن بعض العرب ما زالوا يعيشون حالة من الوهم، وكأنهم لا يعلمون ماذا يدور بين الكبار في الكواليس من مفاوضات حول موضوع المنطقة ككل، وليس بشأن الوضع في سورية فقط، ولماذا يعرفون، ومهمتهم في الأساس بالنسبة للأحداث في سورية، هي أن يكونوا أدوات للمخطط التآمري الذي رسمته الولايات المتحدة الأميركية، بالتنسيق والتعاون مع "إسرائيل" وتركيا وأوروبا، وهذه المهمة التي كلف بها هؤلاء أصبحت معروفة، وهي تقديم المال والإعلام والسلاح، على أن تبقى أدوار المخططين محصورة في كيفية استثمار ذلك لمصالحهم الخاصة، وهذا ما رأيناه واقعاً وعملياً من خلال الاتصالات التي جرت، وهي مستمرة بين روسيا والإدارة الأميركية، وفي هذا السياق جاءت زيارة الوزيرة الأميركية هيلاري كلينتون إلى المملكة العربية السعودية، وما نتج منها كان موضع تساؤل لكثير من المراقبين، فالوزيرة الأميركية تحدثت بمنطق يختلف عما تحدث به وزير الخارجية السعودي الذي ما زال مصراً على عملية تسليح الإرهابيين، وهذه المواقف لم تكن مفاجئة بحسب المصادر الدبلوماسية، لأن الأميركيين الذين بدأوا بالتراجع تدريجاً عن مواقفهم السابقة، طلبوا من أدواتهم وعملائهم في المنطقة الاستمرار في عملية التصعيد على قاعدة أن يكون ثمن المفاوضات سياسياً مع الروس، لا يشكل خسارة كلية وهزيمة علنية للمخطط الأميركي، ويبدو أن بعض العرب ما زالوا يعيشون أوهام إمكانية تغيير النظام في سورية، متناسين أن معركة بابا عمرو وإدلب وريفها وحماه وريفها، وقدرة الجيش السوري على إعادة بعض هذه المناطق إلى حضن وحماية الدولة السورية الوطنية، كانت نقطة الفصل التي قلبت الموازين والمواقف عند أصحاب المخطط، ولذلك تمت المبادرة السريعة بتكليف كوفي أنان ليكون بمثابة خشبة الخلاص للهزيمة الأميركية وحلفائها وعملائها في المنطقة.
وختمت المصادر الدبلوماسية بالقول، إن كل هذه المحطات السياسية التي شاهدناها في الأسبوعين الماضيين، وما حملته من مواقف، كلها تصب في خانة بداية الانتصار الذي حققته سورية في وجه أعدائها بفضل وعي شعبها وتماسك جيشها وحكمة وحزم رئيسها، في حين أن هذه المحطات بالنسبة للأطراف الأخرى، كانت بمثابة البحث عن مخرج لهزيمتها، بعدما وصلت كل مساعيها وجهودها وكل ما رصدته من أموال وسلاح وإعلام وعقوبات، إلى طريق مسدودة.

