شيء ما في صدري

كاد كأسك يفرغ من الويسكي، حين كنتُ أنا أمتلئ أكثر فأكثر بجنوني الهادئ بك.
راقبتُ إصبـعك وهو يعــبث برفق بقــطعة ثلجية صغــيرة داخل الكأس ويمرّرها على بقية القطع. لسبب أجهله، أيقنتُ أن هذه القطعة الثلجية كانت في تلك الدقائق أقرب إليك مني. استرقتُ النظر نحوك، بخجلي المعتاد دوما في حضرتك. حاولتُ أن أتأمل كامل تفاصيل وجهك الجميل، في وقت كنت فيه أنت تتأمل باللاشيء.. أو ربما بكل شيء.. سواي!

«أهواك وأتمنى لو أنساك..»، تصدح أغنية للعندليب داخل الحانة في الحمراء. أفتح علبة سجائري بيدين مرتجفتين. لا أكف لحظة عن الابتسام رغم كل ألمي وشعوري «انو في شي بدو يصير». فأنت بلا شك لم تنسَ وعدا قدمته لك ذات مرة بأني «سأحبك برقي وحضارة.. وإيجابية دائمة». فكيف إذاً لا أكون فرحة وأنا معك؟
أستعير الولاعة الخاصة بك، بحجة نسياني لولاعتي في المنزل. بصراحة، احتجتُ في تلك اللحظة أن أتلمّس طرفا من أشــيائك، أي غرض سبـق أن مررت أصابعك عليه. فأنت كنت إلى جانبي. لكـني كنتُ الأكثر بعدا عنك.
في السيارة غمرتك للمرة الأخيرة. رغبتُ بالبقاء ملتصقة بذراعيك لساعات، وربما لدهر كامل. سألتك مازحة السماح لي بأخذ يديك معي إلى البيت لأني لن أشبع من تقبيلهما. وقبل أن أغلق الباب وأرحل، ردّدتُ لك بطريقة متخدرة وغير واعية: أحبك..
أردتها أن تكون آخر كلمة لي.

دخلتُ منزلي، فوجدتُ أن أنفاسك لا تزال هنا: على ثيابي، على أغراضي وأقلامي وأوراقي. أنفاسك استوطنت كل الزوايا منذ زيارتك الأخيرة لي، يوم منحتك قبلتي الأولى…
صارحتُك حينها بأني لن أقبّل أحدا في المستقبل القريب، كي أبقي بحوزتي طعم شفتيك اللتين لم أذق سواهما. سأحافظ على أثرهما لأطول فترة ممكنة.
أذكر أيضا أني حين بكيتُ أمامك كالأطفال، أخذتني بقوة بين أحضانك. أحسستُ وأنا في داخل كيانك الدافئ، بحماية وأمان حقيقيين لم أعرفهما منذ سنوات طويلة. تأكدتُ في تلك الدقيقة أن مجرد وجودك في الحياة، هو أجمل شيء فيها.
لا يمكنني أن أتناسى ملامحك المفعمة حيوية حين كنا نصعد أدراجا طويلة لزيارة أحد أصدقائك. رأيتك تتوقف فجأة في منتصف الدرج، تستدير وتخطفني بقبلة سريعة على خدي، ومن ثم تعاود الصعود بعد أن أشعلتَ في داخلي سعادة لا توصف.
طريقتك مذهلة دوما في الذهاب بي نحو عوالم جنونك الرائع!

«بحب براءتك»، قلت لي بحنان ذات مرة. فبدأت أنا أيضا أحب براءتي.. وأستمر في حبك.
لكن أظن أن حبي لك وصل إلى مستوى اعتكافي عن كل الدنيا، للخشوع أمام هذياني الضائع خلف سلطة نظراتك.
أحببتُك بذكاء اختياري ليديك من دون سواهما كهيكل لعباداتي وصلواتي. وأحببتُك ببلاهة أحيانا، فلم أفعل أي شيء آخر سوى أن أحبك…
كان حبي قويا مسيطرا على كل حواسي، لدرجة لم أتنبه فيها كيف أدفعك أنت أيضا لتحبني!
أما الآن، فلم أعد أعرف شيئا عن مشاعري. لأن ذلك الشيء الصغير، المائل إلى اليسار، وسط قفصي الصدري، الذي يقال إنه عضلة تبث دماء الحياة في الشرايين، ذلك الشيء الصغير الذي لم أعد أذكر تماما ما كان اسمه… بات محطما كلياً..

السابق
وفد من مشايخ البياضة وحاصبيا شارك في تقبل التعازي بالشيخ الهجري في عبيه
التالي
العرض الملغوم