يوم بلا محاكم، ولكن في بلد بلا حكم منذ سنوات طويلة. ولا يوم من دون فساد وسجالات واكتشاف مواد غذائية وادوية منتهية الصلاحية، ولكن من دون ان يستقيل او يقال احد كأن كل ذلك كوارث طبيعية نلملم آثارها ولا احد مسؤول عنها. فالمحامون في نقابتي بيروت والشمال يضربون عن حضور الجلسات احتجاجا على امتناع مجلس الوزراء لشهور، بسبب الخلافات السياسية، عن تعيين رئيس لمجلس القضاء الاعلى لكي ينتظم العمل القضائي. والحكومة مضربة عن العمل في التعيينات الادارية الضرورية لانتظام العمل في الادارة بسبب الخلاف على الحصص في ظل الاتفاق على آلية التعيين.
والمفارقة ان المطلوب ليس الاصلاح الاداري بل مجرد ملء الشواغر. وهي ليست قليلة: مراكز ٣٧ مديرا عاما من اصل ٧٠ في الادارة شاغرة. ٧ مديريات شاغرة في وزارة الداخلية. ٣ فقط من اصل ٨ محافظين اصيلون.
لكن اضراب المحامين الناجح ليس ضمانا لنهاية المداولات الفاشلة بين المسؤولين. ولا احد يعرف ان كان سيدفع مجلس الوزراء الى تحمل المسؤولية في التعيين او سيكون مثل ضربة سيف في الماء. ولو حدثت معجزة وخرج من مجلس الوزراء اسم الرئيس العتيد لمجلس القضاء، فان ذلك ليس حلا جذريا للمسألة الاساسية: ان يصبح القضاء سلطة مستقلة بالكامل تتولى هي ملء مراكزها بالخيار الذاتي انتخابا او بأية وسيلة. فالعدالة تتعرض للشكوك حين تتدخل الاعتبارات السياسية والطائفية والمذهبية في وظائف القضاء ويتدخل السياسيون في اعمال القضاة. والوقت حان لأن يتوقف تحكم القدر بالقضاء.
وليس اضراب المحامين هو الصوت الصارخ الوحيد في برية السلطة. فالاطباء يتظاهرون والمستشفيات الخاصة تمتنع عن قبول المرضى المشمولين بالضمان الصحي قبل تحقيق المطالب. وقطاع النفط يستعد للاضراب: والاخطر هو اضراب الحكومة عن حل مشكلة الكهرباء، بصرف النظر عن الخلافات السياسية والتباين في وجهات النظر العلمية والفنية حول البواخر والمعامل، والاحاديث عن صفقات وعمولات. فنحن في حاجة الى سياسة كهرباء تنهي سياسة الحرص على اهتراء مؤسسة الكهرباء التي تخسر سنويا ٢.٢ مليار دولار بحيث صارت خسائرها تزيد على ثلث الدين العام. وفي حاجة ماسة حاليا الى الكهرباء بالبواخر والمعامل معاً، وان تأخرنا في بدء المشاريع الضرورية من زمان.
وما دامت الحكومة باقية بقرار اكبر منها لغياب البديل سواء كان عكسها او من جنسها، فلا اقل من ان تعمل بالحد الادنى في الامور العادية. وليست الحسابات الانتخابية التي تشلها سوى ومضة لوصول اركانها متعبين الى المعركة في العام المقبل. فالمتغيرات في المنطقة اكبر واسرع. والرهانات محكومة بما يتجاوز المراهنين.

