عبّاد الدولة السلفيون في لبنان وسوريا..

شراكة غريبة بين خطاب بعض القوى السياسية في لبنان مع خطاب النظام السوري برغم العداء بينهما. تتمثل هذه الشراكة في شعار «الدولة أولاً» وحصرية احتكار السلاح وترهيب القوى الأخرى.
يطلب الدولة ويشدد على سلطتها مَن كان هو الدولة في كلا البلدين على مدى نصف قرن. لا يسأل هذا ولا ذاك عن أسباب انحلال الدولة بين يديه وانقسام المجتمع تحت سلطته واللجوء إلى اقتناء السلاح واستخدامه خارج شرعية السلطة المركزية.
لا يعني هذا أن السلاح في لبنان والسلاح في سوريا يجب أن يبقى خارج مشروع الدولة أو خارج السؤال عن شروط بناء الدولة. بعد عقود من الزمن كنا تحت سلطة أنظمة تنتمي إلى القرون الوسطى في فهمها للدولة على أنها احتكار للعنف المنظّم في إدارة المجتمع يلغي الحرية ويصادر خيارات المجتمع بفكرة «السلفي» هذا. حين تنفجر هذه الدولة تحت وطأة تحديات في مواجهة الاحتلال في لبنان أو الثورة في سوريا ندعو إلى عبادتها مجدداً. ندعو إلى تقديسها على حساب مهماتها ووظائفها الأساسية التي فشلت في القيام بها دفاعاً عن كيانها أو استيعاباً لحاجات جمهورها.
تنهار الدولة في لبنان وسوريا لأسباب موضوعية تتعلق بظاهرات التطور الاجتماعي والديموغرافي والسياسي فلا يفعل العنف إلا أن يعلن نهاية شرعيتها، نهاية الرضوخ للتعسف الذي تمارسه على شعبها. ليس مهماً عند ذاك طبيعة القوى التي تتصدر هذه المواجهة فهي دائماً «مشيطنة» في نظر أرباب السلطة. هي دائماً حالة خروج على القانون، وهي دائماً تهز استقرار المجتمع لأنها حركة فيه وصراع فيه يفرض النظام القائم شكلها وهويتها ووسائل عملها. ليست المقاومة أو الثورة شيئاً مقدساً أو ظاهرة طاهرة، إلا أنها حالة موضوعية تعالج بالسياسة لا بالعنف وبتطوير مفهوم الدولة لينسجم مع حاجات شعبها. حين تؤكد السلطة على منطقها السابق وأسلوبها الوحيد في إلغاء الآخر وإخماده بالقوة نذهب حيث ذهبنا في لبنان وسوريا إلى الفوضى. ننزل من رتبة الدولة والنظام العام إلى التوحش والبربرية. ما شهدناه في لبنان ونشهده اليوم في سوريا من عنف وحشي، وله أشباه في كثير من النزاعات الأهلية، هو الدليل على فشل الدولة في إدارة المجتمع.
ما يصبح ضرورة هو تغيير نظام الدولة لا تغيير المجتمع. عبّاد الدولة المتحدرون من العقل القروسطي الذين يشخصنون السلطة ويجعلونها نوعاً من الملك الخاص لا الملك العام هم الذين يدافعون عنها كسلطة خاصة لا كعقد وطني واجتماعي يقوم على حرية الاختيار.
ليس مصادفة أن الصراعات السياسية في بلادنا تأخذ شكل الحروب الأهلية لأننا لم نمتلك ثقافة الدولة الحديثة وثقافة الديموقراطية. يدور فكرنا السياسي ثم ممارستنا حول الدولة وهو يقصد السلطة. مَن لديهم السلطة يتحدثون عن الدولة والحاجة لها بوصفها شرعية إلغاء تناقضات المجتمع.
كان ذلك إرث الفكر القومي واليساري وهو كذلك في الفكر الإسلاموي الآن. لا نفهم الدولة كإدارة لمجتمع حر بل كسلطة لضبط حرية المجتمع وإعادة تشكيله. نربط فكرة الدولة بمشروع سياسي أو بمنظور إيديولوجي. نريد الدولة لتحرير فلسطين أو لبناء الاشتراكية أو لتطبيق الشريعة الإسلامية. تصبح الدولة وسيلة لا غاية اجتماعية إنسانية. تتحول الدولة فوراً إلى سلطة القيام بالمهمة المقدسة. تستبيح الدولة المجتمع فتلغيه وتتحوّل تدريجاً إلى سلطة قامعة فوقه متحكّمة بثرواته وبإرادته. تنشئ هذه النماذج من الدول الاستبداد بأشكاله المختلفة القومي أو الطائفي أو الديني وتوكل مهماته إلى القائد الذي تصبح «سلطته كل شيء ليحافظ على كل شيء».
ليس غريباً في مدار السياسة هذه أن تشبه المعارضة السلطة وأن يقول الطرفان الشيء ونقيضه باسم الخوف من الآخر. في لبنان يريد فريق الدولة لكي يلغي سلطة شعبوية ضدها. ويريد فريق الدولة لكي يلغي سلطة لا تشاركه خياراته السياسية.
يمارس المتصارعون عنصرية مفضوحة تقوم على الحطّ من شأن الفريق الآخر. يستخدمون لغة سياسية حديثة للدلالة على مفاهيم تسعى للحفاظ على أنظمة امتيازات لا على مشروع للاجتماع السياسي يؤكّد الحرية والمساواة وحياد الدولة. ما يقوله أهل السياسة لا يصرف بالطريقة نفسها لدى الجمهور. ما هو إلغاء سياسي في الخطاب يصبح إلغاءً مادياً على الأرض. لطالما رددنا في لبنان خلال الحرب أن البشاعات تلك لم تكن من شيمنا وأخلاقنا وتقاليدنا، وظلت تلك الممارسات على مدى عقدين تتكرر ولم نفهم أنها سياسة منظمة من الترهيب المتعمّد الذي يصدر عن ذعر غريزي أو عن ثقافة عنصرية تعتقد أن الآخر غير مساو لنا في الإنسانية والآدمية والحقوق.
ما يجري في سوريا الآن وجرى في العراق أو أي مكان آخر هو نتيجة التربية التاريخية القائمة على مبدأ الإخضاع المادي القاتل لمفهوم الحرية الإنسانية.
ما يريده الناس هو الدولة الراعية التي تتصرف بعقلية الأب الصالح لا الدولة السلطانية التي تعيد إنتاج نفسها غالباً في الاستقواء بشرعية خارجة عن الإرادة الحرة لشعبها.
  

السابق
الشرق : مسؤول كبير وراء كشف اللحوم الفاسدة
التالي
كلام نصرالله يبدّد الانطباعات عن الحسم