"لا تقلقوا على المستقبل" هو شعار لم يرد على لسان دولة الرئيس سعد الحريري حينما توجه إلى جمهوره وإلى اللبنانيين في ذكرى 14 شباط هذه السنة كما قد يتوقع البعض بل إنه حرفياً ما ورد على لسان سماحة أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في نهاية كلمته إلى جمهوره يوم 16 الجاري. يومها كان سماحته يردّ على ما وجهّه إليه الرئيس الشاب من دعوة للانخراط في بناء الدولة الجامعة والقادرة والعادلة بعيداً عن الأحقاد! إذاً فإن سماحته يعتبر، أن جمهوره قلق وبحاجة لطمأنة، والحقيقة، أن السيد هو القلق وربما الخائف. فهو خائف من الربيع العربي ومن متغيراته ومن انعكاسات كل ذلك على مزاج جمهوره وعلى مزاج الطائفة الشيعية عامة.
لقد تغيّرت فعلاً نظرة الشعوب العربية الثائرة لحزب الله فبادرت إلى نزع صور السيد حسن من بيوتها وقلوبها أو بادرت إلى إحراقها في بعض الأحيان.
إن الثوار والأحرار العرب لم يعودوا مقتنعين بأن حزب الله يعمل لاستعادة حقوق العرب والمسلمين في فلسطين والقدس… حتى "حماس"، انفتح الأفق أمامها،"فأخوانها" في مصر أقرب إليها وإلى قضيتها مما هي عليه الجمهورية الاسلامية في ايران أو سوريا الأسد.
لقد كان وقوف النظام الايراني وحزب الله إلى جانب نظام بشار الأسد مؤذياً جداّ لهما. إذ كيف تكون يا صاحب السماحة مسلماً، مؤمناً ثورياً وتبرر لنفسك الوقوف إلى جانب رئيس يفترس شعبه وأطفاله ورجال سوريا الأحرار الأبطال؟؟ إنك باختصار مع الحرس الثوري الايراني ضد الربيع العربي. تريد احتكار شرف المقاومة ضد اسرائيل وتخوّن أو تشكك في كل الثورات العربية والثوار الاسلاميين والعلمانيين! بهذه البساطة انكشف زيف شعارات حزب الله وايران، وثبت أن مقولة ايران تعطي دون شروط لكل ثائر على الظلم والطغيان شعار فارغ وغير صحيح. إن الجمهورية الاسلامية الايرانية ونظام الملالي والحرس الثوري يعطون من أجل نشر فكرهم ونفوذهم دفاعاً عن مصالحهم المباشرة من حماية التسلح النووي إلى فرض أنفسهم كلاعب أساسي في المنطقة على حساب العرب.
نعود إلى كلام الرئيس سعد الحريري في 14 شباط، فهو لم يفرض شروطاً بل دعا من أساء إليه من أخوة في الوطن إلى كلمة سواء. لقد دعا أخصامه في السياسة إلى التواضع والتنازل لصالح الدولة اللبنانية التي تحمي جميع أبنائها والتي تحررهم من حماية طوائفهم لهم وفي ذلك ما يتناقض مع رغبات وتوجه حزب الله منذ نشأته وإلى اليوم. وكيف لا نتوقف لنلاحظ أن سماحة السيد حسن دأب في اطلالاته الأخيرة على استعادة السيرة الكربلائية بكل تفاصيلها وأكثر من أي عام مضى ومشهدية "السبايا" وتأكيده على التصاقه بالإمام الحسين وبشعار "هيهات منا الذلة". نعم، هذا هو الخطاب الذي يدعو إلى شدٍّ لأذر الشيعة في وجه خطر داهم ومسرع نحوهم، هو الخطر العربي السني، خطر الربيع العربي المتحالف أو المسيّر من أميركا والغرب والصهاينة كما يحلو لسماحة السيد أن يصوّره!! ما هو الهدف من كل هذه الاستثارة؟ إن السيد حسن خائف على جمهوره القريب من أن تدغدغ حواسه نسمات الربيع، ربيع شيعة لبنان الأحرار، الديمقراطيين. فهذا هو أخطر ربيع على حزب الله وأجمل ربيع للبنان الدولة والكيان.
كما يلجأ سماحته إلى سياسة الهجوم على الآخرين من أجل الدفاع عن النفس، فيقحم نفسه مجدداً في الساحات العربية ويخضع الثورات والثوار في العالم العربي إلى امتحان مدى معاداتهم لاسرائيل وأميركا متناسياً أن ايران الإمام الخميني أخذت سلاحاً اسرائيلياً في حربها مع العراق وأن الجمهورية الاسلامية في ايران رحبّت و"سهّلت" تدخل الولايات المتحدة في غزوها للعراق سنة 2003…
وعلى ذلك ترد الشعوب العربية بأنها ترفض إخضاعها من قبل حزب الله لكل أنواع الاختبارات. هي تشكر سماحة السيد وتشكر ايران على مساهمتها في النضال ضد اسرائيل ولكنها، أي هذه الشعوب العربية المنتفضة، لا تقبل مزايدة عليها في الشأن العربي الأول، أي القضية الفلسطينية! كما ترفض رفضاً قاطعاً تبرير حزب الله لوقفته إلى جانب النظام السوري بحجة أنه نظام ممانع يدفع ثمن مؤازرته القضية الفلسطينية: فالكل يعلم أن النظام في دمشق نظام مخادع، خانع بوجه اسرائيل ومتواطئ على القضية الفلسطينية وعلى كل قضايا العرب!!
يترافق هذا الشعور العربي مع اعتقاد راسخ بأن ايران البرغماتية وليس العقائدية مستعدة لأي تفاوض مع أميركا يعطيها شيئاً من الدور التي تطمح إليه في المنطقة على حساب العرب وعلى حساب كثير من قضاياهم.
لذلك فإن العروبة والاسلام وفلسطين والقدس ترفض كلها أن تمرّ قضاياها حكماً عبر طهران والمصالح الايرانية. يمكنكم إذاً يا صاحب السماحة الانفتاح والتعاون مع ثورات الشعوب العربية ولكن لا يمكنكم المشاغبة عليها لأن ذلك يخدم اسرائيل وأعداء الأمة!
إلى جانب ما تقدم لا بدّ لي من إبداء بعض الملاحظات والردود السريعة على كلام سماحة الأمين العام لحزب الله:
1- صحيح، إن القوات اللبنانية قاتلتنا وكان لها في وقت ما تحالفات اسرائيلية وصحيح أيضاً أن "الحركة الوطنية" كان لها دعم فلسطيني، ليبي، عراقي … لكن الأمر انتهى، وأعتذر من تجرأ على ذلك، والأهم أن نتعلّم جميعاً أن وحدها وحدتنا على أسس واضحة ولبنانية تقوي وطننا وتريح شعبنا اللبناني على اختلاف عقائده الدينية والسياسية.
2- صحيح، إن 14 آذار حصلت على بعض الدعم المادي ولكن لولا ذلك لاجتحت يا صاحب السماحة البلاد "بالمال النظيف" المتدفق عليك. نعم كنت، تحت شعار محاربة اسرائيل، ستجتاح كل الانتخابات البلدية والنيابية والنقابية تسهيلاً لتحكم حزبك وايران "ديمقراطياً" بلبنان.
3- طالب سماحته بإسكات وسائل إعلام 14 آذار التي "تحرض"… فهل أن الرد "المهذب" على بعض ما يقوله السادة الأفاضل: وئام، وناصر، وجميل، وميشال، ورفيق، وفايز، ومصطفى وأمثالهم أضحى أمراً محرماً يمكن أن نعاقب عليه كما حصل في غزوة 7 أيار 2008 المجيدة؟!
4- كان واضحاً انزعاج السيد حسن من مضمون المقابلة الأخيرة للأمين العام الأسبق لحزب الله سماحة الشيخ صبحي الطفيلي لما تضمنته من وقائع وتحاليل ورؤية مستقبلية لمشاكل المنطقة والطائفة الشيعية، فالشيخ صبحي حذّر من ايران وسياستها تجاه لبنان والعالم العربي ولم يتخلى قيد أنملة عن "مجاهدي المقاومة الشرفاء" وتوجه إلى أخوته السنة في الوطن بكلام صريح جامع ومسؤول.
نعم كل ذلك لم يعجب سماحة السيد حسن فردّ على الشيخ صبحي دون أن يسمّيه.
5- كانت جميلة وملفتة الابتسامات العريضة على أوجه ووجنات السادة المشايخ السنة في صفوف احتفال حزب الله الأمامية حينما تكلم السيد حسن عن الدولار – دولار 14 آذار! إنها ضحكة الساخر من مال لم يحصّله من "المستقبل" ففاض عليه من "المال النظيف"!
6- تكلم سماحة السيد حسن عن المبدئية التي لا يَحيد حزبه عنها في كل مواقفه من القضايا الكبرى ومنها الموضوع الاسرائيلي! لذلك لا بد من التساؤل، هل يعتقد سماحته أن صمت وتعامي حزبه عما حصل في ملف العميل المقرب جداً من حليفه "الاستراتيجي" العماد عون يمكن أن يمرّ مرور الكرام أو أنه تراه سيقول لنا أن للضرورات أحكام؟؟ تماماً كما فعل حزب الله حينما اختار نائباً أوصله على لوائح "الوفاء للمقاومة" يَعرِف كُثرٌ من محيطه أنه كان يحزن لاكتفاء الطيران الصهيوني بضرب عامود إرسال محطة المنار في خراج مدينة بعلبك قائلاً أن الاسرائيلي لو كان جدياً لكان عليه ضرب مواقع أشد ايلاماً لحزب الله… مستخلصاُ تقاطع في المصالح بين حزب الله واسرائيل, نعم هذا النائب الحالي لم يأت إلا على لوائح "الوفاء للمقاومة"! لذلك أقول لك يا صاحب السماحة، ما هكذا يكون الوفاء المبدئي للمقاومة، أمْ تراك ستكرر لنا أن للضرورات أحكام؟؟ وعلى هذا المنوال قد يأتي يوم تخبرنا أن حمايتك للمتهمين بقتل رفيق الحريري اندرجت من ضمن براغماتية وضرورات! ضرورات لا يتقبلها لا الانسان المؤمن ولا حتى الانسان الملحد!!
7- يسأل سماحة السيد حسن ساخراً من قوى 14 آذار "المُراهنة" بحسبه على سقوط النظام السوري عن خطتها في حال لم يسقط النظام؟ وله نجيب بكل عزة أنه حينما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان وبنصرة المظلوم على الظالم لا تعود الأمور تحتاج إلى خطط وخطط بديلة لأن القصة، قصة مبدأ وكرامة انسانية! حسبنا في ذلك حسب الإمام الحسين في كربلاء!
8- يهزأ صاحب السماحة من مقولة أن ربيع العرب استلهم الربيع اللبناني سنة 2005 والجواب هو أن ربيع لبنان مضافاً إليه الربيع السوري سيجعلان من أزلام سوريا في لبنان أيتاماً تائهين كما سيسرّعان حلول نيروز ايراني، نيروز الثورة الخضراء!
9- أخيراً وليس آخراً يقول صاحب السماحة لدولة الرئيس سعد الحريري ورفاقه في 14 آذار "لستم أنتم من يمكنه أن يعطي ضمانات" والجواب بسيط، بسيط: نحن "الضعفاء" في أعينك أعطيناك بتعاطفنا معك عند كل الاعتداءات الاسرائيلية ضمانة لبنانية ووطنية وشعبية، إنها الضمانة الحقّة لتحصين الساحة الداخلية في وجه كل الأخطار وأولها الخطر الاسرائيلي!
المحامي حسان الرفاعي
عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل

