لا تعجبوا اذا خيل اليكم احيانا انه في كل ما يتعلق بايران فان البلبلة أكبر من صفاء الامور. فعدم العلم وإساءة المعلومات يحتفلان وليس هذا صدفة (وليسا هما الشيء نفسه، فالاول ينبع من أخطاء والثاني من تضليل متعمد). فقد قيل مثلا طوال شهور كثيرة ان التدريب الصاروخي المشترك بين الولايات المتحدة واسرائيل الذي كان مخططا له في شهر شباط سيكون الأكبر، بل ان وزير الدفاع الاميركي بانيتا أعلن انه «سيكون برهانا على التعاون الامني الذي لا مثيل له بين الطرفين». لكن الأساس كان في رأي كثيرين نقل رسالة تحذير واضحة الى ايران ايضا. كنا لا نزال ننتظر وصول آلاف الجنود الاميركيين وأبلغوا فجأة أمس انه استقر الرأي على تأجيل التدريب الى موعد غير معلوم.
قيل بصورة رسمية ان التأجيل ينبع من اسباب لوجستية، لكن متحدثين غير رسميين وبخاصة في الولايات المتحدة، جهدوا في الايماء الى ان السبب الحقيقي هو أننا «لا نريد زيادة التوتر الكبير أصلا بين المجتمع الدولي وايران». المعذرة. لقد بُين حتى الآن انه ينبغي زيادة الضغط المخصوص والنفسي على ايران حتى لو كان ذلك كي لا تكون حاجة الى الأخذ بخطوات عسكرية عليها. ماذا يجب علينا اذا ان نفهم من التأجيل؟ وأهم من ذلك ما الذي سيفهمه من هذا الحكام الايرانيون؟.
سيفهمون أنه برغم التصريحات الصارمة للرئيس اوباما وفحواها ان الولايات المتحدة لن تسمح لطهران باحراز سلاح ذري، لا تزال واشنطن أو ستحاول مرة اخرى بدء حوار معها، وهو ما سيُمكّن ايران بالفعل من مواصلة العاب تضليلها، أي الاستمرار في الجهد الذري تحت غطاء ساتر دخاني دبلوماسي. في حين تعلن اوروبا أنها تنوي زيادة العقوبات الاقتصادية على ايران (برغم أنها تسير سير السلحفاة)، عُلم ان الرئيس اوباما أرسل الى القيادة الايرانية رسالة سرية عرض فيها عليها تجديد الاتصالات الدبلوماسية (اشتملت الرسالة في الحقيقة ايضا على تهديد لطهران اذا حاولت اغلاق مضيق هرمز).
ينبغي ان نفترض ان طهران ايضا عالمة بالبرنامج الزمني الانتخابي في اميركا. ان الانتخابات الرئاسية بعد أقل من عشرة اشهر تحثها على استغلال هذه المدة لمصلحتها بحيث توقف العالم حينما يحين الوقت أمام حقائق قائمة.
يزعم الاميركيون في الحقيقة ان اسرائيل هي التي طلبت تأجيل التدريب العسكري، لكن هذا التفسير يثير شكوكا ما ويعيدنا هذا الى مسألة العقوبات الاقتصادية. يجب في الحقيقة ان نبارك الولايات المتحدة بسبب الخطوات التي اتخذتها وهي خطوات يبدو انها تنجح في ان تضعضع بقدر ما استقرار ايران الاقتصادي وربما السياسي ايضا.
وقد بارك رئيس حكومة اسرائيل حقا، لكنه أكد مع ذلك وبحق انه ينبغي اتخاذ خطوات شديدة اخرى في المجال المصرفي وفيما يتعلق بتصدير النفط وذلك لابعاد الايرانيين نهائيا عن المسار الذري (ويعتقد أكثر الجمهور الاميركي ايضا بحسب استطلاع جديد للرأي في صحيفة «واشنطن بوست» ان الرئيس اوباما لا يعالج القضية الايرانية علاجا صحيحا).
لا يجب علينا ان نتكلم في هذا السياق على نحو يمكن ان يفسر بأنه تدخل في شؤون اميركا الداخلية، لكن يجوز لنا ان نقف علنا وبصوت عال على العلاقة بين حساب قصير الأمد لسعر الوقود في المضخات وحساب طويل الأمد لجعل ايران قوة ذرية مهيمنة في الشرق الاوسط.
تعلمون انه توجد بين اسرائيل والولايات المتحدة فروق تقدير تتعلق بالبرنامج الزمني للجهد الذري العسكري للايرانيين و»الخط الاحمر» الذي ينبغي عدم تمكينهم من تجاوزه. لكن ينبغي ان نأمل ان تكون الفروق قد ضُيقت بزيارة رئيس القيادة المشتركة الاميركية الجنرال دامبسي في الاسبوع الماضي لأن الساعة تدق. وحقيقة ان الجنرال الاميركي نشر مع نهاية زيارته تصريحا رسميا لم يشمل تطرقا لايران يمكن ان تشهد على ان الجانبين لم يبلغا منتهى الاتفاق أو العكس، أي انه أحرز اتفاق يحسن عدم التصريح به علنا.

