إتخذ وزراء خارجية الدول العربية في اجتماعهم يوم الأحد (أول من أمس) قرارين تاريخيين، يحملان دلالات بالغة الأهمية في مسار الأزمة السورية التي دخلت في شهرها الحادي عشر، أولهما التمديد شهراً لقوات المراقبة العربية بعد مناقشة تقرير رئيس هيئة المراقبة الذي رفعه رئيسها إلى اللجنة الوزارية العربية، والثاني دعوة الرئيس السوري إلى التخلي عن صلاحياته الرئاسية إلى نائبه وتشكيل حكومة وحدة وطنية إنتقالية تتولى إجراء انتخابات برلمانية تليها انتخابات رئاسية بإشراف عربي ودولي، ووضع هذا القرار الثاني في عهدة مجلس الأمن الدولي.
القرار الأول والمتعلق بالتمديد شهر لقوات المراقبة العربية والذي جعل المملكة العربية السعودية تسحب فريقها من هذه القوات، يدل رغم الملاحظات الكثيرة عليه، على فشل هذه القوات في تنفيذ مهمتها على الوجه الصحيح، بسبب عدم تجاوب النظام السوري، وممانعته في تنفيذ البروتوكول الذي ينص على انسحاب الجيش السوري وآلياته وشبيحته من المدن والقرى والسماح بدخول الإعلام على اختلاف هوياته إلى سوريا وممارسة دوره بكل حرية، والسماح بالمظاهرات السلمية للشعب السوري والتي تطالب بإسقاط النظام وإقامة نظام ديمقراطي تعددي، والانسحاب السعودي لا يمكن تفسيره سوى أنه اعتراض على التمديد لقوات المراقبة العربية بعدما تعذر عليها تنفيذ مهمتها بسبب استمرار النظام السوري في سياسة القتل والقمع، وفي عدم تطبيق البروتوكول، وهذا الانسحاب يفترض أن تتبعه انسحابات أخرى للدول التي وافقت على قرار مجلس وزراء الخارجية العرب بتخلي الرئيس السوري عن صلاحياته الرئاسية لنائبه وتشكيل حكومة وحدة وطنية إنتقالية ورئاسية بعد تعديل الدستور الحالي.
هذا القرار الذي اتخذه مجلس وزراء الخارجية العرب وضع حداً للجدال الدائر حول موقف العرب مما يجري في سوريا، وهو موقف شبيه إلى حد التطابق مع القرار الذي اتخذه مجلس التعاون الخليجي في شأن ما كان حاصلا في اليمن، وانتهى بعد ممانعة وسلسلة مناورات من الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح إلى تطبيق هذا الاتفاق وإنهاء انتفاضة الشعب اليمني.
الرئيس السوري هو الآن أمام حقيقة واحدة لا تحتمل أي جدال، وهو المبادرة من تلقائه إلى تطبيق هذا الاتفاق والخروج من الحكم بشكل سلمي يوفر على الشعب السوري المزيد من الضحايا، وإما أن يستمر في سياسة القمع أو ما يسميها هو سياسة مكافحة الإرهاب والمؤامرة الخارجية التي يدّعي أنه يتعرّض لها، وعندها سوف تستمر الثورة الشعبية، ومعها الدول العربية ومجلس الأمن الدولي الذي عهد إليه مجلس وزراء الخارجية العرب بالقرارات التي اتخذها ليس من باب أخذ العلم وإنما ليكون شريكاً في صناعة الحل الذي يوفر مزيداً من الدماء، ويردع النظام السوري عن غيّه.
لم يعد أمام النظام السوري بعد القرارات التي اتخذها وزراء الخارجية العرب من خيارات كثيرة، وإنما أمامه خيار واحد هو الانصياع لمشيئة شعبه وللإجماع العربي والخروج من السلطة والعودة كما سبق وصرّح إلى ممارسة اختصاصه كطبيب عيون.

