ما سر الحيوية السياسية لدى حزب الله

في الايام القليلة الماضية، كان لـ"حزب الله" لقاءات واتصالات داخلية واسعة، مع قوى ومراجع، طُرحت اكثر من علامة استفهام عن مآلها، واستطرادا عما يرسمه الحزب من خلال حركة الانفتاح وتكريس العلاقات التي ينطوي عليها، وما الذي يرمي اليه في هذه المرحلة.
فبالامس كان الحزب للمرة الثانية في مدة قصيرة في بكركي، يجتمع مع سيدها في نطاق تعزيز ابواب الحوار بينهما وطي صفحة التوتر التي حكمت علاقة التنظيم بهذا الصرح في ايام سلف البطريرك بشاره الراعي.
وقبل ذلك بساعات كانت المعلومات تتحدث عن "لقاء اقطاب" بين رموز اساسية، بين الحزب ورموز مماثلة من الحزب التقدمي، حول مائدة عشاء، وهو الثاني من نوعه خلال وقت قصير، الامر الذي اجاب بشكل او آخر عن فحوى سؤال طرح بإلحاح عن مستقبل العلاقة بين الطرفين، خصوصا في ذروة هجوم رئيس التقدمي النائب وليد جنبلاط على الحليف الاوثق لـ"حزب الله"، اي النظام في سوريا، واكد بما لا يدع مجالا للشك، أن العلاقة بين هذين الطرفين المتشاركين معا في حكومة واحدة، ليست بالضرورة عائدة الى مسيرتها الاولى ايام كان جنبلاط رأس حربة مشروع 14 آذار، لا يكل ولا يمل عن انتقاد الحزب وادائه وسلوكه.

وقبل هذين الحدثين كانت ثمة معلومات شحيحة ترشح عن لقاء ليلي جرى بين الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله ورئيس الوزراء نجيب ميقاتي، وعلى رغم ان اللقاء وتفاصيله والموضوعات التي اثيرت فيه بقيت خلف جدران القاعة التي ضمت الرجلين، ثمة من يبني اهمية معينة على هذا الاجتماع كونه اتى مباشرة بعدما شهدت العلاقة بين الطرفين توترا مشهودا على خلفية تمويل المحكمة الدولية، وبعدما تجاوزت حكومة ميقاتي اكبر قنبلة موقوتة واصعب امتحان وضعها امام امرين لا ثالث لهما، اما ان ترحل وهي ما برحت طرية العود، واما أن تبقى ولكن ضمن شروط معينة.
ثمة من يحلو له ان يضع كل هذه الحركة السياسية اللافتة للحزب في سياق واحد، عنوانه العريض انفاذا لبرغماتية سياسية، صار نهجا هاديا للحزب، املت عليه عدم القطيعة مع احد الا بعد تجارب واختبارات. في حين ان ثمة من يعتقد ان لكل حركة من الحزب تجاه اي طرف من الاطراف الثلاثة ظروفا مختلفة ومقاصد متنوعة وغايات متمايزة.المصادر القريبة من الحزب لا تخفي ان العلاقة بينة وبين رئيس التقدمي تكاد تكون "الاكثر تعقيدا" وحساسية ودقة، خصوصا في مرحلة ما بعد اندلاع الاحداث العاصفة في سوريا، وجنوح جنبلاط التدريجي الى جانب المنتفضين على نظام الرئيس بشار الاسد، وصولا الى مرحلة اشهار الموقف الحاسم، وعنوانه العريض لا مخرج من نفق الازمة الا بتغيير جذري في دمشق.
اثر آخر لقاء عقد بين جنبلاط والسيد نصر الله قبل اكثر من شهرين ونصف شهر، رشحت معلومات فحواها ان الرجلين خرجا باقتناع فحواه ان الاختلاف بينهما على مآل الوضع في سوريا صار حتميا، وان المهم هو كيفية تنظيم العلاقة وضبطها على "ساعة التوقيت" المحلي، ومسألة الوضع الحكومي والحيلولة دون ايصال الوضع الى مرحلة الفراغ الحكومي، فضلا عن ضبط الوضع في المساحات المشتركة بين جمهور الطرفين وهي مديدة وعديدة.
وفي المستوى الابعد، كان هم "حزب الله" الا يعود الى الساحات والمنابرحاملا عليه، فيما كان هم جنبلاط الا تبلغ الامور المرحلة التي بلغتها عشية احداث 7 ايار عام 2008.

لكن هذا التفاهم الضمني شابه لاحقا اهتزازات، ولا سيما بعدما اخذ جنبلاط خياره الجلي في الانحياز الى جانب خصوم نظام الاسد، فيما بدا الحزب في وضع المنخرط اكثر في الدفاع عن هذا النظام واعلان التمسك به واعتبار بقائه خيارا استراتيجيا، فنشأ عن ذلك وضع عزز الحاجة الى محاولات ولقاءات تبذل لكي لا تنزلق الامور بين الطرفين الى ما لا تحمد عقباه، فكانت اللقاءات الاخيرة وقبلها كان الكلام الذي ادلى به رموز التقدمي عن الحرص على العلاقة مع "حزب الله" وعلى ان سلاح المقاومة ما انفك يشكل احد عناصر القوة للبنان، لذا لا غنى عنه.
واذا كانت العلاقة بين "حزب الله" وجنبلاط قد بنيت على قاعدة فقهية قديمة، ولكنها باتت جزءا اصيلا من اصول اللعبة الديموقراطية، وفحواها لنتفق على ما يمكن ان نتفق عليه، وليعذر احدنا الآخر في ما نختلف عليه، فإن العلاقة بين "حزب الله" وميقاتي كانت من لون آخر، عنوانه العريض الحاجة الملحة بالنسبة الى الحزب لبقاء الحكومة، علما أن الحزب ساءه جدا ان يتعامل ميقاتي مع القضية البالغة الحساسية بالنسبة اليه، اي قضية المحكمة على قاعدة انها ليست اتفاقا قابلا للتعديل والنقض اذا شاء لبنان، بل كأنها قرار ملزم، ولبنان عليه فقط التزام مندرجاته والتنفيذ وعدم الاعتراض، وكأن ما كتب قد كتب وهو نهج تعاطى به ميقاتي عندما بادر من تلقاء نفسه الى التعهد في الداخل والخارج تمويل المحكمة، وهو ما يتوقع ان يتعاطى به في موضوع التجديد لبروتوكول هذه المحكمة خلال وقت قصير.
وفي كل الاحوال، لا تخفي المصادر القريبة من الحزب معلومات فحواها ان ثمة امتحانا وشيكا للعلاقة بينه وبين ميقاتي، وهو من شقين، الاول خلال الساعات القليلة المقبلة، حيث يراقب الحزب بدقة سلوك ميقاتي حيال ما يمكن ان يطرحه الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون خلال زيارته لبيروت، ولا سيما ما يتصل بالحدود الشمالية مع سوريا وسواها من ملفات لن تقوى الساحة الداخلية على حمل اوزارها وتداعياتها.

والثاني، هو مسألة التمديد للبروتوكول، وكانت "نقزة" الحزب الاولى من الموضوع عندما صدر عن اجواء ميقاتي تفيد أن الامر ليس من مسؤولياته وان نقطة ما نص عليه بروتوكول المحكمة حول "استشارة لبنان" حيال التمديد لا قيمة لها، وهو في نظر الحزب امر خاطئ لأن المسألة الاستشارية وفق الكثير من فقهاء الدستور والقانون الدولي تعني الكثير.
اذاً تبدو العلاقة بين "حزب الله" وميقاتي اكثر انسجاما مع شعار "غب طلب" الحاجة اليومية لبقاء الحكومة، وهي الحاجة التي تقاطعت مع رغبة الخارج الذي رأى في حكومة ميقاتي تحصينا للوضع اللبناني من تداعيات الحدث السوري، وضمانا لبقاء لبنان مستقرا، الى ان يأتي حين من الدهر تفرض فيه حسابات الاطراف المعنيين خلاف ذلك.
لكن الثابت ان العلاقة بين الحزب وسيد بكركي مختلفة تماما، فالحزب ما انفك يعبر عن ارتياحه الكبير الى انفتاح الابواب التي اوصدت سابقا بينه وبين هذا الصرح بعدما اخذت الامور في الاعوام الثلاثة الماضية شكلا متوترا.
ولا ريب ان الحزب حريص على تطوير هذه العلاقة المستجدة وتعميقها اكثر فأكثر، وتفعيل قنوات الاتصال والتواصل معها الى ان تصل الى مرحلة تكون عصية فيها على اهتزاز او تأثير اي ان تظل استراتيجية وثابتة.
هي اذاً الحيوية السياسية غير المسبوقة التي تحكم حراك "حزب الله" تجاه الآخرين في الآونة الاخيرة لها ولا ريب ابعاد انية واخرى استراتيجية.

وفي كلاهما تأتي اولوية الحفاظ على الحكومة الحالية، وابقاء معادلة الاستقرار الحالية قائمة، لأن الحزب يعتقد انه كلما ضيق دائرة الخصوم فإن ذلك يسمح له بتفعيل حضوره السياسي الفاعل والضابط لمسار الاوضاع الفاعل، ويسمح له ايضا بالحفاظ على ورقة المقاومة.
اما هل لدى الحزب توجه محدث لمستقبل العلاقة مع "تيار المستقبل" يفضي الى خفض منسوب التوتر الحاكم هذه العلاقة منذ زمن بعيد؟
حتى الان ما زال الحزب، وفق المصادر القريبة منه يرفد مدى التخبط لدى هذا التيار، ومدى انعدام حالة الوزن فيه هو ما ينعكس على علاقته الدائرية، وفي انتظار ان يخرج هذا الفريق من رهاناته السرابية، فلا ضير ان تبقى العلاقة على حالها، وخصوصا ان هذا التيار بات قاصرا عن فرض معادلات او تهديم اخرى قائمة.  

السابق
ولادة حركة إصلاحيّة في التيّار الوطني
التالي
نحاس: الأمور أخذت مجراها القانوني في موضوع تصحيح الأجور