المجتمعات المفخخة… وخيارات الحروب الأهلية!!

بعد انقضاء عام كامل على اندلاع الانتفاضات العربية غير المسبوقة في الفضاء العربي المثقل بالاستبداد والفساد وتحكّم ثنائي السلطة والثروة وغياب مفاهيم المواطنة والعدالة الاجتماعية وسقوط الدساتير (على سوء معظمها) والانتهاكات المتواصلة لحقوق الانسان وتهميش غالبية الشعب، نساؤه والرجال، ناهيك عن تخلّي غالبية الانظمة العربية عن سيادة اوطانها وعودة القوى الاستعمارية الى الارض العربية بجنودها وعتادها وقواها الضاربة وخصوصاً بطلب رسمي عربي، بعد ان تغنّت تلك الانظمة طويلاً بفترة الاستقلال ورحيل الاستعمار، الذي لم يكن رحيلاً قسرياً كما قيل لنا، بل مجرد صفقات عقدت في الخفاء، يخرج جنود المستعمِر لكن نفوذه يتواصل وكلمته تجد اذاناً مسموعة عندما تُقال أو ترسل بالفاكس، او عبر البريد الالكتروني.
نقول: بعد عام من تلك المرحلة التي دشنها البوعزيزي في تونس، والتي ما تزال تداعياتها مستمرة في بعض البلدان وغير معروفة المآلات والمصائر في بلدان اخرى وثمة غيرها يتوجس خيفة ويبذل جهوداً مضاعفة لتفادي انتقال عدوى الاحتجاجات الى ساحاته التي يستشعر أهلها، أنها هشة وآيلة للسقوط، يمكن للمرء أن يتطلع حواليه ليكتشف حجم الخواء الذي يهيمن على المشهد العربي وبؤس اداء الانظمة التي واصلت قمعها وفسادها واستبدادها واستقالت من وظيفتها بل من ابسط واجباتها تجاه شعوبها ولم تنجح في واقع الحال من تكريس انجاز ميداني ملموس، يمكن ان يضاف الى رصيدها المتآكل لدى شعوبها، وانعدام الاحترام لها لدى رعاتها في الغرب الامبريالي الذي لا يتردد في سحب البساط من تحت اقدامها ما ان يتوفر له البديل أو يُضحّي بها (بغير أسف) اذا ما واجه خيار الاختيار بين مصالحه ورفع المظلة عن الدُمى التي جاء بها الى الحكم او سعى اليه الطغاة كي يوفر لهم الدعم والمساندة، مقابل ارتهان بلدانهم وشعوبهم والثروات الى هذا البلد الغربي او ذاك..
مناسبة الحديث هذا، هي تلك التصريحات التي تُطلق في اكثر من بلد عربي مُحذِرة من اندلاع حروب اهلية اذا ما تواصلت الخلافات والمواجهات بين مكونات واطراف الخندق الواحد (ان جاز الوصف) وخصوصا اولئك الذين نجحوا في اطاحة هذا الطاغية او ذاك، سواء بجهودهم الشعبية المشتركة كما هي الحال في تونس ومصر ام بمساعدة وتدخل اجنبي كما هي حال ليبيا، التي تنزلق تدريجيا الى هاوية الفوضى والاحتراب الاهلي بعد شهرين من تصفية «الأخ القائد» وبعد قيام حكومة عبدالرحيم الكيب المولج اليها الاعداد للانتخابات واستعادة الأمن واخذ البلاد تدريجياً الى الاستقرار.
مصطفى عبدالجليل يحذّر من حرب اهلية في ليبيا بعد اندلاع المواجهات الدموية الاخيرة في طرابلس والتي كشفت – اكثر من سابقاتها من الاشتباكات – في جملة ما كشفته – عن اوضاع اكثر تعقيداً وخطورة، بعد ان بدأ الصراع الفعلي على المكاسب والنفوذ والادوار واقتسام الكعكة ودخول اكثر من طرف داخلي على خط التمرد (..) متسلحاً بالقبيلة او الدعم الخارجي (دع عنك ترسانة الاسلحة لدى الميليشيات المختلفة)، وخصوصاً العربي ودائماً في ابداء الاستعداد لتأمين المصالح «الغربية» مقابل ايجاد مقعد او دور لهذه الشخصية او تلك من «الثوار» في صفوف السلطة الجديدة، ويمكن التوقف ملياً عند احد تجليات هذا التنافس سواء في محاولة تهميش خليفة حفتر (قائد الجيش البرّي «المفروض» من واشنطن)، أم ارتفاع اسهم ثوار «الزنتان» بعد ان سيطروا على حقيبة الدفاع والرفض الاخير لتعيين الجنرال المتقاعد «المنقوش» رئيساً لاركان الجيش الوطني.
تلفّتوا ايضاً الى تونس التي طالب رئيسها المؤقت المنصف المرزوقي، المحتجّين او المتذمرين بـ(هدنة) لستة أشهر، ولا تنسوا مصر التي انهت للتو ماراثون انتخاب مجلس الشعب حيث حصد الاسلاميون (اخوان وسلفيون) الغالبية العظمى التي تسمح لهم بكتابة الدستور الجديد (منفردين).
هل نذهب الى اليمن وسوريا وبعض دول الخليج والجزائر، وما يمور تحت السطح في لبنان والاحتمالات المفتوحة في سوريا؟
هذا ما جناه علينا المستبدون والفاسدون والطغاة، الذين افتقروا الى ابسط انواع الحكمة وبُعد النظر وثقافة حقوق الانسان وخصوصاً… الخيال السياسي.  

السابق
يقظة هناك وسكرة «سياسية» هنا
التالي
نعمة افرام: قلقون من تزايد سريع في البطالة والصناعة في لبنان مهددة