ليست الصورة لنبع أو جدول أو لنهر للمياه العذبة، أو لمتنزه من المتنزهات الطبيعية، بل هي لمجرى الصرف الصحي لمدينة النبطية وعدد من القرى والبلدات المجاورة لها، الذي ما زال يشكل معضلة بيئية وصحية خطيرة للمناطق التي يجري في محيطها منذ نحو عشرين عاماً من دون حسيب أو رقيب. وتلك المناطق تشمل الأراضي العقارية الواقعة في خراج قرى وبلدات الكفور، والدوير، والشرقية والنميرية، وصولاً إلى زفتا والمروانية وتفاحتا. ويبلغ طول المجرى المكشوف الذي يخترقها نحو عشرة كيلومترات. وتتصاعد منه الروائح الكريهة، التي تنتشر في مختلف الأنحاء، وبات مصدراً لمختلف أنواع الحشرات الطائرة والزاحفة، ناهيك عن خطره على المياه الجوفية لتلك المناطق، ما يهدّد صحة وسلامة المواطنين، فضلاً عن قضاء مياه الصرف على جميع أنواع المزروعات والأشجار، التي تعيش بالقرب من المجرى المذكور، لاحتوائها على المواد الكيميائية ونفايات المحروقات السائلة والصلبة، والمواد العضوية.
بلدة النميرية، تعتبر من أكثر المناطق المتضررة من المجرى المذكور، الذي يصب في واد يحيط بالبلدة من الجهتين الشمالية والشرقية، وقريباً من الأحياء السكنية فيها، ما أدّى إلى القضاء على مئات الأشجار المثمرة التي تعيش في الوادي، والتي تشتمل على أنواع اللوز، والتين، والزيتون، والكرمة، إضافة إلى القضاء على الزراعة كلياً في عشرات الدونمات التي غمرتها المياه الآسنة، وحولتها إلى مستنقعات راكدة تنطلق منها الحشرات، التي تغزو بأسرابها منازل المواطنين ليلاً نهاراً، ناقلة إليهم الأمراض والأوبئة، لا سيما للأطفال وكبار السن منهم.
بدأت مشكلة مجرى الصرف الصحي لمدينة النبطية بالتفاقم عندما عمدت "شركة تول العقارية قبل نحو عشرين سنة إلى مدّ شبكة قساطل لجزء من المجرى الذي يخترق الأراضي التابعة لها، حيث أخذ يصبّ في أراضي الدوير. بعدها أخذ يجري في أراضي الشرقية، والنميرية، بطريقة مكشوفة كلياً ليشكل نهراً صغيراً لا ينضب"، كما يقول عدنان مؤذن، مقدراً مساحة الأراضي الزراعية التي تضررت بسبب المجرى في النميرية وحدها بـ"أكثر من مئة دونم، انعدمت فيها الزراعة كلياً، إضافة إلى موت ويباس مئات أشجار اللوز، والتين، والزيتون، والكرمة". ويطالب مؤذن "الدولة والمسؤولين بالعمل على نحو سريع لإزالة أضرار المجرى عن البلدة والمناطق الأخرى، التي يجري في محيطها من خلال العمل على مدّ شبكة قساطل له لمنع استمرار تفاقم المشكلة التي حولت حياة أهالي النميرية إلى جحيم لا يطاق". وقد سبق لأهالي النميرية أن عرضوا مشكلتهم على المراجع الرسمية، والسياسية، والحزبية، والنيابية الجنوبية المعنية، عشرات المرات، في محاولة لإيجاد حل لها. وقد تعهدت تلك المراجع بتحقيق مطلبهم، لكن التعهدات والوعود تبخرت وذهبت أدراج الرياح، وما زالت حتى الآن حبراً على ورق، كما يقول المواطن علي عز الدين، الذي لفت إلى أن "السبب الذي يتذرع به المسؤولون لعدم مدّ شبكة قساطل لمجرى الصرف الصحي لمدينة النبطية ومنطقتها، هو تذرعهم بالتكاليف الباهظة التي سيصرفونها على المشروع، متناسين أن سفرة واحدة من سفراتهم إلى الخارج تكفي لإنشاء مشاريع عدة مثل ذلك المشروع".
وكان أهالي قرى وبلدات الدوير والشرقية والنميرية قد أقاموا دعوى قضائية على بلدية النبطية. وحصلوا على حكم برفع الضرر الذي يسببه مرور المجرى في أراضيهم، "إلا أن ذلك الحكم لم يرَ النور حتى اليوم"، بحسب حسين حمدان، منبّهاً إلى أن "أضرار مجرى الصرف الصحي لمدينة النبطية لن تقتصر على بلدات الدوير والشرقية والنميرية وحدها، إذا ما استمرت الحال على ما هي عليه، بل إن الأضرار ستصيب عاجلاً أم آجلاً بلدات زفتا، والمروانية، وتفاحتا، التي تقع على حافة الوادي نفسه الذي يسلكه المجرى في طريقه بعد سنوات قليلة". ويطالب حمدان الدولة والمسؤولين في وزارة الزراعة بـ"التعويض على أصحاب الأراضي والمزروعات الذين تضرروا جراء اختراق المجرى أملاكهم أسوة بالمزارعين، الذين يتم التعويض عليهم جراء الأمطار والفيضانات والكوارث الطبيعية والزراعية والاعتداءات الإسرائيلية".
من جهة أخرى، مصدر في "اتحاد بلديات الشقيف" رأى أن "الحلّ الجذري لمجرى مياه الصرف الصحي لمدينة النبطية ومنطقتها يكمن بمدّ شبكة أنابيب مقفلة له، وذلك ما يعجز الاتحاد عن تمويله بمصادره الذاتية"، مطالباً "المسؤولين في الدولة، والحكومة، والوزارات المعنية، بمساعدته على تنفيذ ذلك المشروع الذي يعالج جانباً مهماً من الكارثة، التي يمثلها في المناطق التي يجري فيها بطريقة مكشوفة"، آملاً أن "تحل محطة تكرير مياه الصرف الصحي التي أنشأها مجلس الإنماء والإعمار في وادي الكفور، الجانب الآخر من هذه المشكلة، وذلك ما ينتظر تحقيقه خلال الأشهر القليلة المقبلة".

