مشروع يحتقر اللبنانيين

في موسم التحولات والتطلع الى المستقبل عربياً، يطرح في لبنان مشروع لقانون انتخابي لا يخرج البلد وأهله من العصر فحسب بل يعيدهم الى عصور غابرة. ولكل، في المبدأ، ان يقترح ما يشاء. لكن، لكل أيضاً، بالضرورة، أن يكون عقلانياً وبالغ التأني عندما يقارب مسائل تتعلق بعلاقة ابناء الشعب مع بعضهم بعضاً، وعلاقتهم بالنظام والدولة.
يتساوى في المقترح ان يكون اسمه "ارثوذكسياً" او أي شيء آخر. فالمهم هو المحتوى، والأهم ما الذي يعنيه. فمنذ صدوره كان صعباً أن نتخيل هذا العقل الذي توصل الى هذه المعادلة: المسيحي ينتخب المسيحي، وبالتالي فالمسلم ينتخب المسلم… ولو لم تات نتيجة لخلوات ودراسات ومداولات لأمكن القول انها بالأحرى مزحة، ومع ذلك فهي لا تزال أقرب الى الهزل، أو قل المضحك المخزي.

ربما ينبغي التوضيح بأن كاتب هذه السطور ليس معنياً بأي اعتبار طائفي، فلو كان المقترح سنياً او شيعياً لما اختلف الموقف منه. وعلى هذا ينبغي مطالبة اللقاء الماروني، وقبله اللقاء الارثوذكسي، بأن يشرحا للبنانيين الدوافع الحقيقية لهذه البدعة الانتخابية. صحيح أن كلاماً كثيراً تكرر في الاعوام الأخيرة عن ان عدداً من النواب المسيحيين يفوزون بمقاعدهم بفضل اصوات المسلمين في اقضيتهم ودوائرهم، لكن هل هذا مبرر كاف. فمنذ كانت هناك انتخابات في لبنان كانت هذه الظاهرة معروفة، وكانت تنسب الى التعايش والاختلاط، فما الذي تغير؟ لعل ما تغير أن العقلية الخارجة من الحرب الاهلية وجدت ان الفيتوات الطائفية لم تتبلور، بل ساءها ان الكانتونات والمعازل لم ترتسم جغرافياً كما يجب. وكأنها بوغتت بانتهاء تلك الحرب قبل اكتمال خريطة التهجير.

أما المتغيّر الآخر فنجده في مقاربة بعض المسيحيين، البائسة وقصيرة النظر، سواء للتغيير الآتي في سوريا، أو قبل ذلك لادارة الشأن اللبناني بعدما تخلص من نظام الوصاية السورية.

بعد التهميش المتمادي للدولة، وبعد تهميش السلاح غير الشرعي للسلاح الشرعي، ها نحن أمام مشروع انتخابي لتهميش التعايش وقطع الطريق مسبقاً أمام اي اصلاح لقوننة المواطنة. هذا لا يعني فقط تغييراً للنظام فحسب، أنه تزوير للماضي والمستقبل لمصلحة حاضر مريض ومأزوم. واذا كان للمسيحي غداً أن ينتخب المسيحيين وحدهم، والمسلم المسلمين وحدهم، فلا ترجمة لذلك سوى أن "الغاء الطائفية" لن يعود استحقاقاً على اجندة البلد. تصوروا فقط كيف ينعكس هذا النمط الانتخابي على الممارسة النيابية، على التشريع، وعلى ثقافة الوطنية. الأفضل أن يُطوى هذا المشروع، لأنه يحتقر لبنان فكرة ورسالــــة، وقبــل ذلك لأنــــه يحتقــر البشر الذين ينتمــــون اليه.  

السابق
كيف دخل فتح الاسلام وجند الشام وسيطرا على مخيم عين الحلوة ؟
التالي
ألرئيس نجيب ميقاتي من بكركي: هنأنا الراعي بالأعياد وبحثنا في كل المواضيع