برز في تاريخ مصر القديم ثلاثة فراعنة نجحوا في توحيد مصر وهم ميتا ومنحوتب واحمس الاول.. وكانت مصر في حالات ضعفها تنقسم الى اجزاء.. سفلي وعلوي وعندما كانت مصر تهوي في الانقسام سمي ذلك العصر بالاضمحلال حيث ساده التفكك السياسي والاجتماعي ووقعت فتن وحروب اهلية مع تلاشي السلطة المركزية وكانت كل فترة من فترات الاضمحلال تفتح المجال للتدخل الاجنبي في مصر كغزو الهكسوس والفرس ثم الاغريق والروم فيما بعد. وهكذا فإن مصر الموحدة هي قدر مصر وان فوضاها ستؤدي الى ضعفها وتفككها واضمحلالها وخضوعها للاجنبي. فلم تحكم مصر من بعد كيلوباترا من اي مصري الا من الزعيم الخالد جمال عبد الناصر الذي اعاد مصر الى المصريين ومع بدء الحراك الجماهيري في مصر تنبأنا بأن هناك من لا يريد عن قصد او سوء قصد اسقاط النظام فقط بل اسقاط الدولة المصرية وحذرنا من مخاطر ذلك منذ البدء ومن دكتاتورية الشارع التي لا تقل خطورة واستبدادا عن دكتاتورية الدكتاتور المستبد.
وها نحن الآن نشهد ما يمكن وصفه بمحاولة زعزعة اساس الدولة المصرية باستهداف المؤسسة العسكرية التي بقيت متماسكة في واقع التفكك السياسي والاجتماعي الذي يسود ارض الكنانة حاليا. فالجيش المصري هو السد الوحيد المتبقي امام هكسوس الداخل والخارج الذين يريدون شرا بمصر والاستحواذ عليها سواء عن طريق الاقتراع او الاندفاع. فقد بدا جليا ان حزب الاخوان بدأ يمارس السلطة وكأنه حاكم واستفز الجيش بمسيرته المليونية يوم الجمعة الماضي على بعد ايام من الانتخابات البرلمانية لكن استفزازه شمل شباب الثورة كلهم الذين احتشدوا لعرض قوتهم في مواجهة احزاب الاسلام السياسي وجرى استدراج العسكر الى المعمعان. وفي هذا الخليط كيف لمصر ان تنتخب ديمقراطيا؟
فالأمن غائب والبلطجة ستسود ومراكز القوى الحزبية والمالية واصحاب النفوذ والمال سيسرقون الاصوات.. وستعم الفوضى كل ارجاء مصر.. فالصعيد ملبد بالسلاح والغضب لأنه يجري تجاهله والفتنة الطائفية تستعرض مفاتنها يوميا بألسنة متطرفين اقباط مقيمين في كندا وواشنطن ومتطرفين من التيارات الاسلامية يقتصر اسلامهم على فرض الجزية على المسيحيين وتعدد الزوجات وقطع يد السارق.. ولا يعرضون اي برنامج حضاري للرقي بمصر وانتشالها من التحديات. ففي اوضاع كهذه كيف يمكن الطلب من الجيش ان يتنحى ويسلم السلطة الانتقالية لطرف ثالث لا يملك سلطة ولا قوة ولا شرطة ولا مطواة. فمن سيحمي مصر ويحتكم اليه الجميع؟
لقد كان الانموذج التونسي واضحا وسليما وكان يجب الاقتداء به.. فقد بدأوا بالتأسيس لدستور جديد عن طريق انتخاب مجلس تأسيسي يشكل حكومة انتقالية لمدة سنة وكان يجب على مصر استنساخ التجربة التونسية ليس في الثورة فقط بل فيما بعدها حيث عرفت تونس كيف توصلها الى بر الامان دون الحاجة الى ارهاصات دموية كالتي يشهدها الشارع المصري فالمخاطر التي تتهدد مصر كالفتنة الداخلية والانقسام والتدخلات الاجنبية غير موجودة في تونس وبالتالي نطلب الرحمة لمصر من المصريين قبل غيرهم فهم ادرى بشعابها.

