لن يطول الوقت يا اخوان قبل أن يبدأ لبنان الرسمي في حصد الثمار المُرّة لمواقفه السورية، بعد أن كان يتحضّر لحصد تلك الثمار بالتقسيط المريح نتيجة الانقلاب شبه المسلّح الذي أطاح بنتائج انتخاباته، وجاء بنتائج السلاح وسطوته وعلاقاته ومحاوره ليضعها في اطار حكومي كامل المقاييس.. ثم نتيجة الموقف المرتقب من قضية المحكمة وتمويلها.
وكما في السياق المركزي العام، يأتي السياق التفصيلي. وتبدو الصورة راهناً في قمّة قتامتها وسوادها: حان موعد دفع الاستحقاقات وبالجملة. وحان وقت ترجمة النتيجة الأولى لذلك الانقلاب الذي وضع لبنان في كفّة المحور الإيراني السوري في مقابل "محور" باقي دول الكرة الأرضية.
والمفارقة هي أنّ حسابات الانقلاب وأهله في البداية كانت أخفّ وطأة على لبنان واللبنانيين عمّا هي عليه اليوم.
آنذاك كانت السوق مفتوحة على مصراعيها، والالتباس أحد بضائعها المتوفّرة بكثرة: سلطة دمشق كانت في قمّة زهوها "بانتصاراتها" السياسية والديبلوماسية من أنقرة إلى باريس إلى أبعد من ذلك.. وكانت مرتاحة إلى واقع نجاحها في سياسة الابتزاز حتى آخر وتر في عودها الرنّان.. وكانت تعرف كيف تسوّق دورها ووظائفها من النزاع المقفل مع إسرائيل، إلى الوضع في العراق، إلى الاستفادة القصوى من عروض فك ارتباطها الذيلي بإيران، إلى لعب ورقة الجماعات الإرهابية وفق الأصول، أي دعمها في العراق وتسليمها وكشفها في دول وساحات أخرى.. وصولاً إلى لبنان حيث لا قدرة ولا رغبة لأحد أصلاً في مجاراتها في لعبة السلاح وتأثيراته.. فنفّذت الانقلاب وراهنت على قبول الآخرين به كأمر واقع لا مفرّ منه!
اليوم انقلبت الصورة أو تكاد جذرياً. وأكلاف ذلك الحصار المرير الذي يلفّ سلطة دمشق من كل جانب بدأت في الوصول إلينا.. إلى ساحة الوغى الأولى، ساحة الممانعة ومربض خيلها وملعب أفراسها الجامحات.. ولن يطول الوقت قبل البدء في "تقريش" تلك الأكلاف في السياسة والاقتصاد سواء بسواء.. وحدة حال الانقلابيين المحليين مع رعاتهم تفرض توزيع القصاص بالعدل والتساوي بينهم! ثم لا مفرّ عند ضرب الرأس، من ضمور الذيل نتيجة الوجع.. خصوصاً إذا كان الذيل ذيلاً بإرادته!؟
هي سيرتنا الدائمة التي حاول كثيرون التعايش مع أضرارها، والسير بين تضاريسها أينما أمكن.. سيرة وطن لغير أهله. دوره المطلوب منه والمجبور عليه أكبر من جغرافيته وإمكاناته. لكن المعادلة الظالمة لا بد أن تبقى راكبة ورابضة عنده دون سواه. ولا بد أن تبقى كل "شروط" تلك المعادلة في مكانها مهما كلّف الأمر..
الجديد الطازج، هو أنّ تلك المعادلة بدأت تنكسر. وبانتظار اكتمال انكسارها، يصرّ أهل الممانعة والمناتعة على تدفيعنا جميعاً، وتدفيع لبنان بجملته، أثمان سياساتهم الذيلية، ومشاريعهم الجموحة، وارتباطاتهم بأنظمة عسف وطغيان، وسياساتهم الانقلابية الخارجة على الدنيا وعنها في غير أوانها وزمانها.

