لا يشبه إلا حاله بعض الكلام الممانع عن الوضع السوري. لا صلة له بكلام آخر لأصحابه أنفسهم في شأن ثورات أخرى. وفي ذلك لا جديد يُدّعى سوى العودة الى تأكيد استحالة النقاش مع العبث، واستعادة التوجس من ازدواجية في الخطاب تضمر أحادية لا تتورع في أي لحظة عن ترجمة حالها ضد أي آخر.
سبق وقيل إن الغربة عن المنطق صارت أكبر من مجرد ترف فكري سريع عند هؤلاء. وإن قصة التبرم من النقاش والمجادلة هي الكتاب الوحيد المقروء عندهم. وإن الاقصاء هو البند الأول الموضوع في رأس جدول أعمالهم. وكل شيء آخر ممكن الاستخدام في سبيل تأكيد الاحادية وتعليق العمل بأي قانون يناقضها.
في الجذر الأول لتلك النبتة يأتي اعتماد معطيات كثيرة لا تدخل في سياقها لعبة الانتخابات ومبدأ تداول السلطة، ولا أي فرع آتٍ من متن النظم الديموقراطية الحديثة، بل الاستناد المموّه (إذا فرضت الضرورة)، الى قوة ذاتية خالصة قائمة على ثابتتين أساسيتين: برنامج فكري وسياسي ذاتي الولادة والنشوء والترقّي مصاحب لبرنامج أمني ـ عسكري شديد البأس. والسير متوازٍ هنا وحثيث ويلتقي عند القبض على السلطة وعدم التفريط بها.
..لعبة الانتخابات تلك يمكن الاستناد إليها لاستخدامها إذا أمكن لكن لمرة واحدة. تماماً مثل عود الكبريت في المأثور السينمائي العربي الاخّاذ الخاص بالشرف الأنثوي. بعد ذلك يُعطّل ذلك القانون الوضعي بقانون أعلى آتٍ من خلفيات خلاصة في الغالب الأعم. كانت في مرحلة ماضية طبقية المزاج أو قومية الهوى، لكنها اليوم مقرونة برؤى دينية لا تُجادل.
..يصحّ وصف ما حصل ويحصل في ليبيا وتونس ومصر والبحرين بالتحركات الشعبية الصافية المنزّهة عن فعل التآمر الأميركي، على ما قال زعيم حزب المقاومة بالأمس.. لكن ما يحصل في سوريا ليس كذلك! هناك أكثرية شعبية لكنها مع نظام بشار الأسد الممانع والمقاتل والمقاوم ولذا وجب وضوح البيان والإعلان عن المؤازرة والدعم. ولا بأس أن يُشفع ذلك بالتأكيد على ان لا خلفيات مذهبية وراء ذلك الموقف بل هو موقف منزّه عن أي هوى إلا البحث عن مصلحة الشعب السوري وحفظ وحدته ووحدة بلاده ودورهما في مقارعة الصهاينة والأميركيين؟!
خطورة ذلك الفصل بين سوريا وغيرها أبعد من اللحظة السياسية وضرورات المشروع الطامح الى وصل طهران ببيروت عبر بغداد ودمشق… خطورته الفعلية تكمن في اعتماده قياساً ثابتاً تتم محاولة الأخذ به في لبنان منذ فترة. وفيه نفي خالص لقصة النظام الديموقراطي وآلياته وممارساته: يفوز الآخرون في الانتخابات النيابية فيجري تعطيل النظام برمته وتعطيل أدواته التنفيذية المسماة حكومة والتشريعية المسماة مجلساً نيابياً. ويُستبدل كل ذلك بعد لأي وسلاح وقمصان سود، بانقلاب شبه دستوري لا شائبة تشوب صفاء سيرته و"إنجازاته" الفظيعة.
شيء يشبه الفكرة الخاصة بالثورة السورية: انقلاب لبنان لا تُحدّ "إنجازاته" ولا تُعدّ، وفيه كل شيء، من التنوّع والتعدد حتى التصويت داخل مجلس الوزراء.
والنظام الانقلابي في دمشق فيه كل ما يستوجب دعمه ومؤازرته في وجه السوريين: مقاوم وان لم يطلق رصاصة إلا باتجاه الداخل الوطني. وممانع وان كانت زبدة سلطته تفلش على خبز "نحن أو الحرب الأهلية".
عالمان قصيان أحدهما يشتمل على أهل اجندات مخفية أو مزدوجة لا ينتبهون الى انهم يغرفون من مُعين مليء بتجارب سابقة إقليمية وعالمية أوصلت أصحابها الى حضيض من البؤس التام والى حطام عميم وعظيم. وثانيهما يعيش أهله في محنة كبيرة حيث الخيار عندهم يتراوح بين التسليم للديكتاتوريات ولظاها، أو مواجهتها وحصد دمار أهلي فظيع!

