لم تخلُ مشاركة لبنان في اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة عبر الزيارتين اللتين قام بها كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي تحت عنوان رئاسة لبنان لمجلس الأمن من مآخذ لدى كل من الأكثرية والمعارضة على حدّ سواء ولو ان أياً من هذه المآخذ لم يجد طريقه الى العلن لدى اي منهما. اذ تتركز هذه المآخذ على عدم افادة كبار المسؤولين اللبنانيين، بالنسبة الى الاكثرية، من موقع تاريخي حصل عليه لبنان في مجلس الامن وفي رئاسته على نحو قد لا يتكرّر خلال عقود من أجل خوض غمار معركة الدولة الفلسطينية بقوّة او السعي الى لعب دور أكثر فاعلية خصوصاً ان لدى لبنان قضيته مع الفلسطينيين بما يمكن ان يسهّل مقاربته لها في الداخل من خلال مقاربتها على اعلى منبر دولي. يضاف الى ذلك انها قضية لا يشوبها اي اعتراض داخلي او اقليمي على الاطلاق. في حين أخذت المعارضة على كبار المسؤولين عدم المبادرة والافادة أيضاً من هذا الموقع من أجل طرح مواضيع أكثر حيوية تؤكد دور لبنان المحوري في التعامل مع قضايا مقلقة بالنسبة اليه وبالنسبة الى دول العالم ولئلا يظهر في موقع الدولة التي تتجنب مقاربة المواضيع الحسّاسة لأنه في موقع حسّاس. ولذلك لم تحظ اي من الزيارتين بتعليقات ايجابية لئلا يؤدي ذلك الى تظهير السلبيات على نحو أكبر من هذه المشاركة المزدوجة للبنان.
وتقول مصادر وزارية ان ما يمكن الركون اليه كحصيلة هو اظهار الرئيس ميقاتي من خلال توجهه الى الامم المتحدة ان حكومته ليست في عزلة او حصار وانه يستطيع ان يبرز للدول الكبرى انه يستطيع التعامل معها على غير ما احيطت به حكومته منذ تأليفها. وهي اجواء قائمة فعلا ليس فقط على الصعيد الدولي بل على الصعيد العربي أيضاً وانطلقت منذ اطاحة النظام السوري و"حزب الله" حكومة الرئيس سعد الحريري بما عنى ذلك بالنسبة الى الدول العربية من تطيير لمعادلتين اساسيتين لهذه الدول في لبنان هما اتفاق الدوحة الذي رعته قطر في العام 2008 ومعادلة السين السين التي عملت قطر أيضاً مع تركيا على محاولة انقاذها فلم يقبل النظام السوري الذي أصرّ على اطاحة كل ذلك مما حكم على الحكومة اللبنانية التي ترأسها الرئيس ميقاتي بالمقاطعة العربية اذا صحّ القول.
وتقول هذه المصادر ان الهامش السياسي الذي تمتع به الرئيس ميقاتي من خلال ما اعلنه في شأن التزام تمويل المحكمة في شكل خاص وحتى في نفي صلته المالية بالنظام السوري والانفتاح على لقاء مع وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون إنما يتصل بواقع الحاجة الى "فك عزلة" الحكومة او منع تكريس هذه العزلة السائدة واقعيا ومن خلال الصراع الداخلي القائم بين الاكثرية والمعارضة. وهي أمور يحتاجها افرقاء الحكومة ويتفهمونها من دون اثارة قلقهم او حفيظتهم لرغبتهم، كما رغبة النظام السوري على الارجح ، في ان تتمكن الحكومة من تطبيع واقع الامور مع الخارج الدولي في شكل أساسي خصوصاً ان الرئيس ميقاتي يملك الاتصالات اللازمة والقدرة على القيام بذلك وتوظيفه لمصلحة الحكومة التي يرأس. ولذلك ليس ثمة اعتراض على تمويل الحكومة التي التزم الرئيس ميقاتي تمويلها امام الغرب بما يمكن ان يرضي الدول الكبرى وان هناك اتفاقا بينه وبين افرقاء الحكومة على ذلك وفي مقدمهم "حزب الله" وان الصيغ لذلك كانت تدرس من اجل ايجاد المخرج الملائم. اذ ان تأمين التمويل من خلال مرسوم سيحصل على رغم الضجيج الاعلامي الذي يثيره "التيار الوطني الحر" رافضاً التمويل وان هناك مخارج على الطريقة اللبنانية لهذا المأزق من خلال احتمال مغادرة وزير العدل شكيب قرطباوي المحسوب على "التيار الوطني الحر" لبنان لكي يحل مكانه بالوكالة في التوقيع على المرسوم الذي يفترض ان يحمل توقيع وزير العدل الى جانب تواقيع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير المال وزير الاعلام وليد الداعوق الذي ينتمي بدوره الى الطائفة السنية. وبذلك فان اصواتاً من الاكثرية ستعلو اعتراضاً وما شابه لكن من دون عرقلة فعليّة بل تساهم على عكس ما يعتقد في رفع اسهم رئيس الحكومة من ضمن طائفته باعتبار انه وافق على تمويل المحكمة على رغم اراء معارضة من ضمن الحكومة. وهو ما يمكن ان يعتبر في ظل الصراع الذي تدور رحاه على أكثر من صعيد داخلي من ضمن الطوائف الاساسية نفسها على انه سعي او محاولة توظيف في وجه الاكثرية السنية الموجودة في مكان آخر أي لدى "تيار المستقبل".
لكن من غير المستبعد ان تتلقف المعارضة بدورها امرار "حزب الله" تمويل المحكمة التي اعتبرها الحزب "اميركية اسرائيلية" وتستهدفه من أجل ان تسجل في خانته سعيه من الأساس الى اهداف أبعد من المحكمة وتطاول وضع اليد على البلد وقراره السياسي باعتباره قام بدور تعطيلي للحكومات السابقة على مدى الاعوام الماضية بذريعة رفضه المحكمة وكذلك الأمر بالنسبة الى اطاحته مع النظام السوري الحكومة السابقة بالذريعة نفسها لكي يجد نفسه ممولاً لها طوعاً وبارادته في نهاية الأمر. وهذا أمر محرج له أمام الرأي العام اللبناني على الأقل.

