تظلل الايجابية التي يبديها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ازاء موضوع تمويل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري المواقف الملتبسة او الرافضة التي يعلنها افرقاء في الحكومة وفي مقدمهم وزراء ونواب "التيار الوطني الحر" فيما التزم مسؤولو "حزب الله" الصمت حيال المواقف التي ادلى بها رئيس الحكومة في هذا الاطار حتى الان. وتقول مصادر سياسية ان الخيار يبدو صعبا ويمكن ان يدخل الحكومة في ما هو اشد وطأة مما دخلته الحكومة مع ازمة مشروع الكهرباء بين مختلف مكوناتها في حين ان الخيارات الاخرى لا تبدو سهلة بدورها. اذ ان اتصالات جرت مع المراجع الرسمية وبعض هذه الاتصالات اجراها مسؤولون في المعارضة حول موضوع المحكمة تحدثت عن الخيارات المتاحة امام الحكومة في موضوع التمويل والذي قد يكون اسهلها صدور مرسوم يوقعه رئيس الجمهورية مع رئيس الحكومة ووزيري المال والعدل يقضي بصرف المبلغ من اعتماد خاص يمكن ان يكون من احتياط الموازنة واصعبها اللجوء الى اقتراح قانون في مجلس النواب تقدمه المعارضة ويمكن ان تنال اكثرية توافق عليه في حين تتمزق الاكثرية الحالية مع اعلان كل من الرئيس ميقاتي وكتلته والنائب وليد جنبلاط دعمهما لتمويل المحكمة. وهو امر سيكون صعبا جدا على الحكومة فضلا عن انه يؤدي الى اثارة المزيد من الانقسامات والتوتر في البلد.
ولا تنفي المصادر المعنية ان "حزب الله" سيواجه احراجا ايا يكن الخيار الذي يمكن اعتماده اولا في حال قررت الحكومة التي يشارك فيها تمويل المحكمة بموافقته العلنية او عدمها وفي حال قررت العكس. ففي الحال الاولى فان التساؤلات ستثار حول واقع موافقته الضمنية على حكومة اتى هو بها في تمويل محكمة اعتبرها اميركية – اسرائيلية وهدفها القضاء على المقاومة.
وفي حال قررت الحكومة عدم تمويل المحكمة فان الحزب يتحمل المسؤولية في وضع لبنان في مواجهة دولية مع ما يترتب على ذلك من انعكاسات. اضف الى ذلك ان هناك تساؤلات ستطرح متى قررت الحكومة تمويل المحكمة عن اسباب الازمات المتلاحقة التي افتعلها الحزب وكان آخرها تطيير الحكومة وزيادة فجوة الخلاف المذهبي على وقع استبعاد الغالبية السنية عن الحكم بسبب رفض الحزب للمحكمة التي تستهدفه في حين يظهر التمويل او الموافقة ضمنا على ذلك ان الازمة هي في مكان آخر ولم تكن في المحكمة وان الهدف كان وضع اليد على البلد ومحاولة سيطرة محور اقليمي معين كما تقول المعارضة مما سيساعد هذه الاخيرة في تأكيد ما تذهب اليه في هذا الاطار. اذ ان الحزب لوح بخطوات ميدانية كثيرة مع صدور القرار الاتهامي لم يحصل اي شيء منها لدى صدوره واطاح الحكومة السابقة على وقع رفض المحكمة فيما هو يوافق او يغض النظر عن تمويلها.
ولا تخفي هذه المصادر ان الوضع قد يكون مربحا في الحالين بالنسبة الى المعارضة. اذ ان تمويل المحكمة يلبي طلبا لها يمكن ان توظفه في خانة الاضاءة على الاهداف التي تم السعي وراءها من اطاحة الحكومة السابقة وفي حال عدم تمويل الحكومة المحكمة فانها ستبقي سيف مواجهتها ومعارضتها للحكومة على حدته. والعكس صحيح ايضا بمعنى ان تمويل المحكمة يسحب من المعارضة ورقة قوية في مواجهة الحكومة ورئيسها تحديدا خصوصا ان هذا الموضوع يجد صدى كبيرا لدى المجتمع الدولي الذي يبدي استعدادا لاتخاذ موقف من الحكومة وسبل التعامل معها على ما اشترطت الدول الكبرى لدى تأليف الحكومة. اذ ربطت هذه الدول موقفها النهائي منها بموضوع التعاون مع المحكمة والتزام قراراتها علما ان دولا كروسيا مثلا تدعم المحكمة ايضا بمعنى ان لا اتجاهين لدى الدول الكبرى في هذا الاطار ولا خلافات في ما بينها حول هذا الموضوع مما يضع الحكومة في وضع صعب يسعى رئيس الحكومة الى تجنبه بتأكيد نيته تمويل المحكمة والجزم بذلك. ومع ان المصادر تقول ان التمويل الذي قد لا يطرح مشكلة بمرسوم يتم التوقيع عليه من دون اجتماع مجلس الوزراء، فان التجديد للمحكمة في آذار المقبل قد يكون هو المشكلة الحقيقية من حيث ان التمويل يفقد عدم التجديد مبرراته. ولذلك يشكل التمويل الحاجز او العقبة الاولى على هذه الطريق.
فهل ينزع فتيل المحكمة من التجاذب الداخلي بما يعلنه رئيس الحكومة عن تمويل المحكمة بما يكفل للحكومة ضمانا اكبر لاستمرارها من دون هزات كبيرة ؟
ثمة آراء سياسية متعددة تعتبر ان تمويل المحكمة لم يعد فعلا يشكل مشكلة وان كان يمكن توظيفه سياسيا في الحالين اي في حال حصوله او عدمه وان التمويل يمكن ان يتأمن من مصادر خارجية في حال امتناع الحكومة اللبنانية عن الايفاء بالتزاماتها وان مع الانعكاسات المتوقعة. والمشكلة تبقى في الخلاف حول الرؤية للبنان معطوفة على التطورات السورية التي تحدث انقسامات عميقة بدورها بين الافرقاء اللبنانيين. وليس ادل على ذلك ما احدثته مواقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في هذا الاطار على رغم ان تفاعلات كثيرة بقيت خلف ابواب مغلقة مع حرص على عدم تظهيرها.

