أتاح "مؤتمر أصدقاء ليبيا" الذي نظمته باريس فرصة للرئيس نجيب ميقاتي من أجل إجراء العديد من الاتصالات واللقاءات العابرة مع مسؤولين دوليين منهم وزير خارجية فرنسا آلان جوبيه ومساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان ووزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو وعدد من رؤساء الوفود المشاركة.
وأفسح وجود ميقاتي في باريس في المجال أمامه لتوضيح مواقف حكومته إزاء الالتزامات الدولية، وفي طليعتها المحكمة الدولية والقرار 1701، كما شكلت مشاركته اطلالة دولية أولى له منذ توليه مهماته قبل نحو ثلاثة اشهر، وهذا ما اعتبرته أوساط ديبلوماسية بأنه يمثل خرقا للحصار الديبلوماسي المفروض على الحكومة الميقاتية.
ولكن نجاح ميقاتي في كسره الجزئي لواقع العزلة حول حكومته يجعل من مواقفه بعد عودته إلى بيروت موضوع رصد ومتابعة من قبل الأطراف السياسية كافة لمعرفة الاتجاهات التي سوف يسلكها، ولا سيما من جانب "حزب الله" الذي يدرك جيدا أن المجتمع الدولي لم يعد في وارد التساهل مع كل من يخالف توجهاته، خصوصا بعد تبني هذا المجتمع القاعدة "البوشية" التي تقوم على معادلة "إما معي أو ضدي".
غير أن رئيس الحكومة فاجأ الأوساط السياسية بإطلاقه مواقف نوعية من باريس استبقت عودته إلى بيروت، حيث قال ميقاتي ردا على سؤال عما سيكون موقف لبنان في مجلس الأمن إذا توصل إلى قرار فرض عقوبات على سوريا، "لن نخرج عن الإرادة الدولية، ولا نستطيع أن نكون ضد أحد، ونعزل انفسنا عن الموضوع السوري ولكن طبعاً لا نخرج عن الرعاية الدولية، فلا نستطيع أن نجابه أحداً وليس لدينا القوة لذلك، خصوصاً المجتمع الدولي".
وفي هذا السياق اعتبرت أوساط سياسية محايدة أن موقف رئيس الحكومة الرافض الخروج عن الإرادة الدولية يشكل موقفا متقدما لميقاتي، ونوعا من إقرار بالخطأ الذي ارتكبته الحكومة بخروجها عن هذا الإجماع في البيان الرئاسي الذي أصدره مجلس الأمن عن الأزمة السورية. فلا يمكن اعتبار التزام ميقاتي بتمويل المحكمة ورفضه الخروج عن الإجماع الدولي تفصيلا، إنما يعبر عن توجه سياسي واضح قرر اعتماده غير عابئ بتداعياته على مستقبل حكومته.
فالرئيس ميقاتي، والكلام للأوساط نفسها، ليس في وارد التضحية بمستقبله السياسي إن لجهة علاقته مع بيئته السياسية، أو لناحية علاقاته الدولية والعربية، فهو يحاول العبور بلبنان، في هذه المرحلة الانتقالية، بأقل الأضرار الممكنة، ومن دون التنازل عن كل ما يمس بالثوابت الوطنية من المحكمة إلى علاقة لبنان مع الخارج وما بينهما دور رئيس الحكومة وصلاحياته، ومن هنا جاء تأكيده بالدعوة إلى "الكف عن القول إنني رمادي ولا آخذ قراراً، المهم مصلحة لبنان، ويوم يوجه إلي الطلب بالتمويل ويكون القرار عندي لن آخذ إلا مصلحة لبنان في الإعتبار، وسيرى المجتمع اللبناني والدولي ذلك".
وتقول الأوساط "أن وجود ميقاتي على رأس الحكومة جنب لبنان مواجهات وصدامات كانت دون شك حتمية لو أن 14 آذار ما زالت في السلطة، وبالتالي خروجها أو إخراجها ولو بالطريقة المعلومة أبعد عن لبنان سيناريوهات عسكرية وأمنية كانت بدأت تتردد بقوة قبل إسقاط الحكومة الحريرية". فالمهم، وفق الأوساط نفسها، "الحفاظ على الاستقرار في مرحلة تحولات كبرى تشهدها المنطقة العربية برمتها، وهذا ما استطاعت هذه الحكومة توفيره لغاية هذه اللحظة، حيث أن الاستقرار هو سيد الموقف ويشكل مطلبا للقوى السياسية على اختلافها.
فوجود 14 آذار في السلطة تحول إلى هدف سوري و"حزب الهي"، وبالتالي انتقال هذه السلطة "نفّس" أجواء الاحتقان التي كانت سائدة في الشارع، إلى درجة أن اللبنانيين كادوا يتمنون حينذاك عدم صدور القرار الاتهامي، لأن صدوره ربما كان سيشعل حربا أهلية، وفق الأجواء المسربة والمناخات المعممة، فإذا بهذا القرار يمر وكأن شيئا لم يكن، وبالتالي المصلحة العليا للبلاد كانت تقضي وجود حكومة انتقالية لتواكب المرحلة الانتقالية".
وتتابع الأوساط نفسها "أن الرئيس ميقاتي، وضع كل ثقله لتشكيل حكومة تكنوقراط أو وسطيين، على قاعدة أن حكومة اللون الواحد أكان اسمها 14 أو 8 آذار عاجزة عن الحكم، فضلا عن وصول تجربة حكومات "الوحدة الوطنية" إلى الحائط المسدود، ولكن الكم الهائل من الضغوط التي تعرض لها ميقاتي حالت دون ترجمة رغبته بتشكيل هذا النوع من الحكومات، إلا أن موافقته على السير بشكل الحكومة الراهنة لا يعني التفريط بقناعاته وثوابته ومنطلقاته".
وتقول الأوساط المحايدة نفسها "إن البعض قد يفسر موقف ميقاتي من تمويل المحكمة والإجماع الدولي أنه مجرد مناورة أو توزيع أدوار مع حزب الله على قاعدة أن ما يلتزم به رئيس الحكومة لا ينسحب على حكومته، وأن باستطاعة ميقاتي التذرع أمام المجتمع الدولي بأن الأكثرية داخل الحكومة ضد توجهاته السياسية، كما أن من مصلحة حزب الله استمرار الحكومة كونها تشكل غطاء سياسيا له، وكأن ثمة تقاطع مصالح بين الفريقين"، ولكن الأوساط السياسية تنفي ذلك بشدة مؤكدة أن التباين بين رئيس الحكومة وحزب الله، حتى لو كان على سبيل المناورة كما يحلو للبعض تفسيره، لا يصب في مصلحة الأخير، إنما يضعف موقف الحزب ويؤدي بالنتيجة إلى عزله، باعتبار أنه من غير الطبيعي أن يكون موقف رئيس الحكومة الذي أيد الحزب إيصاله ضد توجهاته في هذا المف أو ذاك.
وتؤكد الأوساط نفسها أن مواقف ميقاتي "تعبّر عن قناعات فعلية، وهي مواقف راسخة وثابتة وستظهر الأيام والأسابيع المقبلة ذلك". وردا على سؤال حول ما إذا كانت المواقف الميقاتية دليل تمايز في السياسة الخارجية للحكومة على غرار التمايز في الملفات الداخلية تمهيدا للخروج من الحكومة، ترفض الأوساط وضعها في هذا الإطار، مشددة على أن "ميقاتي لن يقايض استمراره في الحكومة على حساب المصلحة اللبنانية

