الجمهورية: القرار الاتّهامي يطلق العدّ العكسي لانطلاق المحاكمة …نصرالـله يحذّر من فتنة والحريري يعتبر كلامه غير بريء

مع نشر أجزاء سرّية من القرار الاتّهامي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أمس، دخل لبنان في مرحلة جديدة مفتوحة على احتمالات شتّى، في الوقت الذي ينظر بقلق شديد الى التطورات العربية عموما والسورية خصوصا مترقّبا منها انعكاسات على أوضاعه الداخلية.

وفي ضوء هذا التطور طُرح في الأوساط السياسية سؤال عمّا سيليه من خطوات ستتخذها المحكمة، خصوصا في ظلّ إعلان عزمها على إصدار قرارات اتّهامية جديدة.

وقال مصدر مطّلع لـ"الجمهورية" في هذا المجال إنّ المحكمة تتجه الى إجراء محاكمة غيابية للمتهمين لتعذّر القبض عليهم ومثولهم أمامها، ولكن هذه المحاكمة قد تطول لأنها ستأخذ في الحسبان ما ستتضمّنه القرارات الاتّهامية اللاحقة.

وأضاف المصدر أنّ ما تضمّنه الاتّهام حتى الآن ما زال يحصر التورّط بالجريمة بالمتّهمين الأربعة من دون أن يربطهم بحزب الله، ولكن لا أحد يعرف ما إذا كان ما تبقّى من القرار بلا نشر يربط بين المتّهمين والحزب أو أنّ هذا الربط يمكن أن يحصل أثناء المحاكمة مباشرة.

واستبعد المصدر ان يؤدّي نشر القرار الى أيّ نتائج على المستوى السياسي داخليّا، ولكن تيّار "المستقبل" وحلفاءه فريق 14 آذار سيرفعون الصوت مطالبين بتسليم المتّهمين، فيما حزب الله سيرفع الصوت رافضا الاتّهام، في الوقت الذي ستعلن الحكومة أنهم غير موجودين على الأراضي اللبنانية.

وأشار المصدر الى أنه في حال ربطت المحكمة المتّهمين بحزب الله عبر القول إنّ هؤلاء ما كانوا لينفّذوا الجريمة لو لم يتأمّن لهم القرار والتمويل من حزب الله، فتوجّه التهمة الى الحزب على أنه "تنظيم إرهابي" وتطالب الحكومة باتّخاذ إجراءات في حقّه، وذلك من خلال ما أشار اليه القرار لجهة أنّ المتّهمين استخدموا 2500 كيلوغرام من الـ "تي. ان. تي" وهذه الكمّية ليس في استطاعتهم كأشخاص الحصول عليها بمفردهم من دون مساعدة آخرين، وكذلك الإشارة الى أنهم تلقّوا تدريبات لدى حزب الله والحديث عن وجود صلة قرابة عائلية بين بعض هؤلاء المتهمين والقائد الجهادي الراحل في حزب الله عماد مغنية، فضلا عن إشارة القرار الى أنّ المتهمين خططوا للعملية قبل سنة.

ميقاتي

وفي أوّل ردّ رسمي على القرار الاتّهامي، وكذلك على ما ذهب اليه الرئيس سعد الحريري من اتّهام الحكومة بالتهرب من تحمّل المسؤولية وعدم التعاون مع المحكمة والتخلّي عن إلتزامات لبنان تجاه متابعة قضية إغتيال والده، أكّد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي خلال إفطار رمضاني أقامه على شرف الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس "أنّ الحكومة التي التزمت في بيانها الوزاري احترام القرارات الدولية مستمرّة في هذا الالتزام، لا سيّما في ما خصّ عمل المحكمة الخاصة بلبنان والقضاء الدولي الذي نشر اليوم (أمس) القرار الاتّهامي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وهي خطوة متوقعة، في إطار الإجراءات التي تعتمدها المحكمة في ما خصّ التحقيق الدولي في الجريمة". وإذ "دعا الى التعاطي مع هذه المستجدّات بوعي وحسّ عميق بالمسؤولية الوطنية"، أملَ "في أن يتمكّن التحقيق الدولي من جلاء الحقيقة كاملة إحقاقا للحقّ والعدالة، مع المحافظة على استقرار لبنان ووحدته واستتباب الأمن فيه".

"السماء وأهل الأرض"

ومن جهته، ردّ الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله في كلمة له مساء أمس على القرار الاتّهامي فقال: "كنت أقول إنهم إذا كانوا أذكياء فإنهم لا ينشرون القرار الاتّهامي، وجيّد أنه نُشر، "منيح خلّي الناس تشوف شو حجم الاتّهام". وتساءل: "أين الموضوعيّة والعلمية في ما نُشر؟" وقال: "إنّ ما نشر يؤكّد صحّة كلّ ما قلناها خلال السنتين الماضيتين من أنّ التحقيق ليس شفّافا وتمّ تسريبه وهو موجود في الصحف الأجنبية ولدى العدوّ. كلّ ما كنّا نقوله عن التسريب وينفونه ثبتَ اليوم كذبه بدليل النصّ المنشور". وأشار الى "أن لا دليل مباشرا في كلّ النصّ. والنص الموجود الذي يستند الى الاستنتاج والتحليل يزيدنا اقتناعا اليوم بأنّ ما يجري هو على درجة عالية من الظلم والتسييس والاتّهام وأنّ المقاومين لا يجوز ان يُقال عنهم أنّهم متهمون، هم مُفترى عليهم".

ولم يردّ نصرالله مباشرة على طلب الحريري منه اتّخاذ "موقف تاريخي" بتسليم المتهمين، فأكّد "أنّ كلّ التخريبات لن تستطيع المسّ بعزم المقاومة، وكلّ المؤامرات الهادفة الى بثّ الفتنة ستذهب أدراج الرياح، والمقاومة ستكون أكبر من الفتنة والمظلومية والاتّهام ، قوّتنا أنّه لا يسهل استفزازنا والنيل من إرادتنا، وإنّ معنوياتنا تتصل بالسماء فلا يمكن أن ينال منها أهل الأرض".

رد الحريري

وليلاً رد الرئيس سعد الحريري على كلام الامين العام لحزب الله قائلا: لم تكن موفقا يا سيد حسن خصوصا لجهة الكلام غير البريء الذي حاول ان يضع الطائفة الشيعية في دائرة الخطر و كأنك تعمل من خلال ذلك على تجيير الاتهام بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الشهداء , من 4 اشخاص حزبيين الى كامل ابناء الطائفة الشيعية وفي ذلك منتهى التحريف والسعي الى قلب الحقائق والمتهمون محددون بالاسم والهوية, وحزب الله يعترف باخفائهم , اما الطائفة الشيعية فهي اشرف من ان تتورط في دم الشهيد رفيق الحريري وليست محل اتهام من احد.

واضاف الرئيس الحريري ان ما يتهدد الطائفة الشيعية يتهدد سائر اللبنانيين فنحن جميعا في مركب واحد وسنواصل العيش في وطن واحد, و لن يكون هناك اي معنى للتلاعب بعواطف الاخوة الشيعة واستنفارهم في وجه مخططات وهمية يعلم السيد نصر الله انها من نسج الخيال , او نسيج الحاجة لتبرير الهروب من الحقيقة.

14 آذار

إلى ذلك تساءلت أوساط سياسية في قوى 14 آذار عن قدرة الحكومة الميقاتية على مواجهة تطورات المحكمة الدولية التي أعلنت أمس نص القرار الاتهامي في الجزء المتعلق بالمتهمين الأربعة المنتمين الى "حزب الله"، في وقت هي أعجز عن معالجة التناقضات والخلافات داخلها:

1 – تلويح العماد ميشال عون المتكرّر بورقة الانسحاب من الحكومة إذا لم تقرّ مشاريعه وأولها مشروع الكهرباء.

2 – توجيه النائب وليد جنبلاط ضربة استباقيّة ووقائية لقانون الانتخاب الجديد مثبتا أنه ليس على موجة سياسية واحدة مع حلفائه الجدد، من الانتفاضة في سوريا إلى قانون الانتخاب وصولا إلى التعيينات ورفضه كيديّة عون- حزب الله السياسية.

3 – التعاطي الرسمي الملتبس مع انفجار انطلياس والذي أدّى الى تضرّر صورة وزير الداخلية الجديد وصدقيّته في فترة زمنية قياسية.

واعتبرت الأوساط "أنّ صدور القرار الاتّهامي يشكّل مفترقا أساسيّا على مستوى الحياة الوطنية اللبنانية، وهذا ما يطرح جدّيا قدرة الحكومة على الاستمرار بعد صدور هذا القرار، إذ كيف يمكن أن تتساكن ما يسمى القوى الوسطية في الحكومة من رئيسي الجمهورية والحكومة إلى رئيس "جبهة النضال الوطني" مع فريق سياسي يعتبر أنّ المتهمين الأربعة المنتمين إليه هم "أيقونات بمثابة القديسين"؟ وكيف ستتعامل قوى 14 آذار نفسها مع هذا الحدث؟"

وقالت هذه الأوساط "إنّ هذا السؤال يتردّد بقوّة داخل أروقة 14 آذار وبين كلّ مكوّناتها الحزبية والمستقلة، حيث يسود توجّهات عدة يمكن اختصارها باثنين: توجّه يدعو إلى فصل المواجهة القضائية بين المحكمة والحزب عن المواجهة السياسية بين 14 آذار و"حزب الله"، أي الاستمرار وفق قواعد اللعبة نفسها، وتوجّه آخر يعتبر صدور القرار الاتّهامي مناسبة لإعادة تكوين السلطة في لبنان على قاعدة أنه لم يعد ممكنا التساكن مع "حزب الله" في المجلس النيابي أو هيئة الحوار وأيّ مؤسّسة عامّة أو خاصة في البلد. وهذا ما يجعل صدور القرار، بالنسبة إلى هذا التوجّه، محطّة مفصلية لإعادة تأسيس البلد على قاعدة العدالة التي تشكّل وحدها باب العبور إلى المصالحة، ممّا يستدعي إعلان المواجهة الشعبية والديمقراطية والسلمية وصولا إلى الهدف المنشود".

مواقف

وكان نصّ القرار كرّر اتّهام مصطفى أمين بدر الدين، وسليم جميل عياش، وحسين حسن عنيسي، وأسد حسن صبرا، فرديّا وجماعيّا بالتخطيط لجريمة إغتيال الحريري وتنفيذها.

وقال رئيس حزب الوطنيين الأحرار النائب دوري شمعون لـ"الجمهورية" إنّ الكرة باتت الآن في ملعب حزب الله بعدما تبيّن أنّ المتّهمين الأربعة ينتمون اليه". ودعاه الى "قراءة القرار الاتّهامي ورفع الغطاء عن المتهمين إذا كان يتمتّع بقليل من حسن النيّة".

وقال: "لا أعتقد أنّ أحدا يستطيع ان يفبرك قرارا من هذا النوع بعدما أورد تفاصيل غنيّة تستند الى التقنيّة، وعلى الحكومة القيام بواجباتها، وعلى رئيسها أن يبرهن الآن انّه فعلاً رئيس وزراء". ودعا وزراء "حزب الله" الى الاستقالة او التعاون في القبض على المتهمين".

ووصف تصريحات النائب ميشال عون بأنّها "جوفاء" قائلاً: "لقد أطربنا بها كثيرا، فكفى".

بيان المحكمة

وكانت المحكمة أعلنت في بيان أمس أنّ هناك من الأدلة ما يكفي لبدء محاكمة "عادلة وشفّافة." ورحّب المدعي العام دانيال بلمار بإجراء قاضي المحكمة التمهيدية الذي نصّ على فضّ لائحة الاتّهام، وقال إنّ "فضّ لائحة الاتهام يجيب عن أسئلة كثيرة عن هجوم 14 فبراير/شباط 2005، وستتكشف القصة كاملة في قاعة المحكمة، حيث ستكون الجلسة مفتوحة وعلنية وعادلة وشفافة".

قراءة أمنية

وفي خطوة استباقية قالت مصادر أمنية متطابقة بأنّ الأجهزة المختصة أجرت قراءة فوريّة لمحتوى الأجزاء التي نشرت من القرار الاتهامي ورأت أنّ التعاطي مع الموضوع يجب ان يتمّ على مستويات عدّة.

وقالت هذه المصادر لـ"الجمهورية": إنّ هذه القراءة تناولت بالدرجة الأولى مضمون القرار ومحتوياته في ضوء ما كانت الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية قد أنجزته في حينه وبعد أشهر قليلة على اغتيال الحريري والجرائم التي تلتها. ولفتت الى ما أنجزته هذه الأجهزة ومديرية المخابرات في الجيش والتي كانت قد توقفت عند عدد من المعطيات التي أشار اليها القرار، كما تبيّن حجم ما أنجزته الأجهزة المختصّة في تحليل الاتصالات الهاتفية والتي أدّت على ما يبدو الى اغتيال الرائد وسام عيد، عِلما أنّ الجهات المتّهمة كانت من القوى التي تترصد طريق المحكمة وأعمال لجنة التحقيق وما حقّقته، ما دفعها الى خطوات استباقية في السياسة والأمن والإعلام.

على صعيد آخر، أوصت الأجهزة الأمنية الى أهمّية اتّخاذ التدابير الاحترازية التي من الواجب اتّخاذها في بعض النقاط الاستراتيجية والمناطق الحسّاسة التي من الواجب ان تبقى مرصودة بدقّة وعلى "شقّ النفس" كما قالت إحدى المرجعيّات الأمنية.

وإذ أبدت المراجع ارتياحها المعلن الى حركة الشارع الهادئة، لكن ما هو متوقع لا يقف عند بعض التصريحات والمظاهر التي تنبئ بها بعض اللقاءات، إلّا أنّ هناك خلايا أمنية ومخابراتية نائمة من الواجب رصدها بدقة لمنع القيام بأيّ عمل يمكن ان يستدرج الأفرقاء الى فتنة مذهبية لا يمكن تجنبها في بعض الحالات، وخصوصا أنّ حجم ما كشفه القرار الاتّهامي "خطير وخطير جدّا" وأنّ الوقائع تنبئ بكثير من المخاطر التي يجري تغليفها بمواقف سياسية وروحية تتسم بالديماغوجية بالدرجة الأولى.

زيارة عبّاس

وحجب القرار الاتّهامي الاهتمام بزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس الذي رفرف علم بلاده في بيروت في حفل تدشين رسمي. وبذلك يرتفع مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني في لبنان من ممثلية الى سفارة. وأبدى عبّاس اعتقاده بأن ليس هناك حاجة فلسطينية للسلاح لأننا محميّون بالحكومة والجيش اللبناني. مُعلنا أنّ السلطة الفلسطينية ليست مع التوطين، بل مع عودة الفلسطينيين الى ديارهم، قائلاً: "سنذهب مع لبنان الى الأمم المتحدة للحصول على العضوية الكاملة لدولة فلسطين، وستكون هذه الأيام أياماً صعبة لكن مجيدة، حيث سيغرز للمرّة الأولى شعب فلسطين دبوسه على خريطة العالم بدعم كلّ الشعوب العربية والمسلمة وشعوب العالم، ولدينا حتى الآن 122 دولة تدعمنا للوصول الى هذا الهدف".

السابق
نهاية التضليل
التالي
أخطر ما في القرار: أبو عدس