اتفق الرئيس الاميركي باراك اوباما ورئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان أمس، على ضرورة «الانتقال إلى الديموقراطية» في سوريا، فيما قالت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون ان واشنطن لم تطالب حتى الآن بتنحي الرئيس السوري بشار الأسد لأنها «تريد من دول أخرى أن تعبر عن دعمها لهذا المطلب». وبينما قال ناشطون ان 16 شخصا قتلوا امس بالتزامن مع دخول القوات السورية بلدتي القصير القريبة من حمص وسراقب على الحدود مع تركيا، يفترض ان تشهد سوريا اليوم تظاهرات بعنوان «لن نركع». كما استمرت المواجهة الروسية للضغوط الغربية في مجلس الأمن لتصعيد الموقف ضد دمشق، بعد تقرير من الأمم المتحدة تحدث عن انتهاكات لحقوق الإنسان.
وفي هذه الاثناء، عين الأسد العماد فهد جاسم الفريج رئيسا لأركان الجيش العربي السوري، خلفا للعماد داود راجحة الذي عين وزيرا للدفاع. والفريج من مواليد حماه وكان يشغل منصب نائب رئيس الأركان. وجاءت تسمية الفريج بعد مناقلات نتجت عن مرض وزير الدفاع السابق علي حبيب.
ميدانيات
وغداة خروج الجيش من حماه، افاد ناشطون حقوقيون بأن القوات السورية اقتحمت بالدبابات سراقب في محافظة ادلب (شمال غرب) والقصير في منطقة حمص. وقتل 12مدنيا على الاقل وأصيب عشرات آخرون بجروح الخميس برصاص قوات الامن السورية في مدينة القصير حيث اعتقل حوالى مئة شخص بحسب ناشط في حمص. وقال الناشط لـ«فرانس برس» من مدينة حمص ان القوات السورية التي اقتحمت مدينة القصير «قامت بإطلاق النار على مواطنين كانوا يحاولون الهروب الى منطقة البساتين».
من جهته، قال المرصد السوري لحقوق الانسان ان «ثلاثة مدنيين قتلوا في حي المطار في دير الزور وأحرقت منازل».
وفي حمص ايضا، قال المرصد السوري لحقوق الانسان ان «اطلاق رصاص كثيفا سمع في حي بابا عمرو ترافق مع صوت رشاشات ثقيلة». وتحدث عن «حملة اعتقالات امنية كبيرة ما زالت مستمرة». وأشار المرصد ايضا الى سقوط قتيل في مدينة الحفة بمحافظة اللاذقية خلال حملة اعتقالات في المدينة والقرى المجاورة لها.
من جهة اخرى، قال مدير المرصد رامي عبد الرحمن ان «دبابات وناقلات جند مدرعة ترافقها حافلات كبيرة محملة بعناصر امنية وعسكرية اقتحمت مدينة سراقب». وأضاف انه سمع اصوات اطلاق الرصاص «بشكل كثيف» في المدينة التي تشهد تظاهرات يومية بعد صلاة التراويح تطالب برحيل النظام. وأكد عبد الرحمن ان «الدبابات انتشرت في وسط المدينة» حيث بدأت «الاجهزة الامنية حملة مداهمات واعتقالات واسعة طالت اكثر من مئة شخص حتى الآن بينهم 35 طفلا».
وأعلن المرصد السوري انه تم اعتقال رئيس الرابطة السورية لحقوق الانسان عبد الكريم الريحاوي في دمشق. وقال رامي عبد الرحمن ان «عبد الكريم الريحاوي اعتقل عند الساعة الثالثة من اليوم (الخميس) من مقهى هافانا في دمشق» مضيفا ان «مصيره لا يزال مجهولا حتى الآن».
وأشار الى ان ناشطا كان موجودا في المقهى اكد للمرصد خبر اعتقال الريحاوي. والريحاوي البالغ من العمر 43 عاما يدير الرابطة السورية لحقوق الانسان منذ العام 2004.
تركيا والضغوط الغربية
وأعلن البيت الابيض ان الرئيس الاميركي باراك اوباما ورئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان اتفقا خلال مكالمة هاتفية على ضرورة «الانتقال الى الديموقراطية» في سوريا. وقال مكتب اوباما ان الرئيس الاميركي وأردوغان اتفقا كذلك على ضرورة «الوقف الفوري لكافة اشكال سفك الدماء والعنف الذي يمارس ضد الشعب السوري» من قبل القوات العسكرية والامنية. وأضاف ان الزعيمين «اكدا على ان الوضع حرج، وأكدا قلقهما البالغ بشأن استخدام الحكومة السورية للعنف ضد المدنيين، وإيمانهما بضرورة تلبية مطالب الشعب السوري المشروعة بالانتقال الديموقراطي»، بحسب مكتب الرئيس.
وبعدما قال مسؤول اميركي إن «الولايات المتحدة تدرس دعوة الاسد صراحة الى التنحي لكن توقيت هذه الدعوة لا يزال غير معروف»، قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» الأميركية التلفزيونية، أذيعت مقتطفات منها إن «الولايات المتحدة لم تطالب حتى الآن بتنحي الأسد لأن واشنطن تريد من دول أخرى أن تعبر عن دعمها لهذا المطلب».
وقالت كلينتون «إن الشيء الضروري بالفعل للضغط على الرئيس بشار الأسد هو فرض عقوبات على صناعة النفط والغاز، نريد أن نرى أوروبا تتخذ مزيدا من الخطوات في هذا الاتجاه»، كما دعت كلينتون روسيا إلى التوقف عن بيع الأسلحة لسوريا، ودعت الصين إلى اتخاذ «خطوات معنا» في هذا الاتجاه.
وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية فيكتوريا نيولاند أن السفير الأميركي في سوريا روبرت فورد التقى وزير الخارجية السوري وليد المعلم وحذره من احتمال فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية إذا لم يتوقف العنف ضد المتظاهرين. وقالت إن السفير الاميركي أعرب عن عدم صدق الادعاءات السورية بتحقيق الإصلاحات وإعطاء المجال لوسائل الإعلام للقيام بعملها والالتزام باتفاقية فيينا لحماية الدبلوماسيين.
ونوهت نيولاند بأن رد المعلم لم يكن مقنعا كما كان حديث الرئيس السوري بشار الأسد على مدى اليومين الماضيين. وحول إقرار الرئيس السوري بوقوع أخطاء، قالت نيولاند: «نحن نتطلع للعمل. نحن لا نسعى للكلمات والوعود، إننا نتطلع إلى إنهاء العنف وعودة القوات إلى ثكناتها وبدء تحول ديموقراطي حقيقي». وأضافت: «اسمحوا لي أن أقول إن قوات الأمن الحكومية السورية واصلت عملياتها في جميع أنحاء البلد خلال اليومين الماضيين، منذ الزيارة التي قام بها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو».
وأضافت: «عدد القتلى يتزايد يوميا، وهناك غارات تفتيش من منزل إلى آخر في دير الزور وحمص، كما تم إلقاء القبض على أعضاء لجان التنسيق المحلية ونشطاء آخرين، ولجان التنسيق تشير إلى أنه تم إلقاء القبض على 22 شخصا منها على أيدي قوات الأمن في العاشر من آب، كما قتل منها 34 شخصا فى التاسع من آب».
وكثفت الدول الغربية مطالبتها مجلس الامن الدولي، خلال جلسة عقدها مساء أول من أمس حول سوريا، بأخذ «اجراءات اضافية» ضد سوريا. ولكن الدعوة الغربية لم تلق آذانا صاغية لدى المندوب الروسي الذي اكد ان العقوبات التي فرضت على النظام السوري لم تؤد الى وقف حملة القمع التي يشنها النظام ضد المحتجين.
وخلال عرضه امام مجلس الامن في جلسة مغلقة تقريرا عن تطورات الاحداث في سوريا، قال مساعد الامين العام للامم المتحدة اوسكار فرنانديز تارانكو ان عمليات القتل في سوريا لم تتوقف بعد اسبوع من اصدار المجلس بيانا رئاسيا يدين حملة القمع ويدعو الى وقفها «فورا». أكد تارانكو انه وبينما كان مسؤولون من الامم المتحدة يلتقون دبلوماسيين سوريين كانت ترد تقارير عن وقوع مزيد من القتلى.
ونقل عن المسؤول قوله ان 87 شخصا قتلوا في اعمال العنف يوم الثلاثاء الماضي وحده. وأضاف ان قوات الامن السورية تقوم في بعض الاحيان بقطع الكهرباء عن بلدات مستهدفة في العمليات. وعرض ايضا لتقارير تتحدث عن تنفيذ عمليات اعدام ميدانية وحالات انشقاق في صفوف الجيش بسبب رفض الجنود تنفيذ الاوامر المعطاة اليهم بإطلاق النار على المتظاهرين بقصد قتلهم، كما افاد دبلوماسيون.
وقال دبلوماسي ان الخلاصة الاساسية لتقرير تارانكو هي ان سوريا «لم تستجب» لدعوات المجلس لها بوقف العنف. وفي مسعى منها لابقاء الملف السوري في اعلى سلم اولويات مجلس الامن، طالبت الدول الغربية بتقرير ثان يقدم الى مجلس الامن الاسبوع المقبل ويتم خلاله الاستماع الى كبار مسؤولي الامم المتحدة في مجالي حقوق الانسان والاغاثة الانسانية. وبعد الاجتماع قال مندوبو كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا والبرتغال انه اذا لم تتحسن الاحوال في سوريا بحلول الجلسة المقبلة عندها يتعين على مجلس الامن ان يتخذ «اجراءات اضافية».
وقال مساعد السفير البريطاني في الامم المتحدة فيليب بارهام للصحافيين ان التقرير الذي قدمه تارانكو رسم صورة للوضع في سوريا «محبطة وتقشعر لها الأبدان». وأضاف ان تارانكو قال ان «الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان» اضحت سمة اساسية لحملة القمع، في حين ليست هناك اي مؤشرات على ان النظام السوري مستعد للإنصات الى نداءات الاسرة الدولية مع استمرار العمليات العسكرية وتواصل حملات الاعتقال.
من جانبه قال مساعد المندوب الفرنسي الدائم في الامم المتحدة مارتين بريان انه «اذا اصر النظام السوري على تجاهل مطالب المجتمع الدولي، وهي ليست مطالب مجلس الامن فقط، بل تتزايد المطالبة بها في المنطقة وبشكل اكثر فأكثر إلحاحا، عندها يتعين علينا التفكير في سبل زيادة الضغط على النظام السوري». اما السفيرة الاميركية في الامم المتحدة سوزان رايس فاعتمدت في خطابها خلال الاجتماع لهجة البيت الابيض المتزايدة في حدتها إزاء النظام السوري. وقالت رايس ان الاسد قابل «مطالب التغيير بوحشية وازدراء»، مؤكدة أن آلاف الابرياء «قتلوا في سوريا بدم بارد» وأن «الاسد انتهك ابسط قواعد الدبلوماسية بإرساله بلطجية لمهاجمة بعثات دبلوماسية».
وأوضحت المندوبة الاميركية ان الولايات المتحدة والدول الاوروبية تعتزم «ممارسة ضغط اضافي على النظام السوري من خلال تنسيق تدابير اضافية دبلوماسية ومالية». وأضافت ان الولايات المتحدة تسعى ايضا الى وقف امدادات الاسلحة والذخائر الى القوات السورية.
ولكن نظيرها الروسي فيتالي تشوركين خالفها الرأي مؤكدا ان النداءات الاميركية الى فرض عقوبات على دمشق لا طائل منها. وقال «نحن ندعو الى ضبط النفس والاصلاحات والحوار»، مضيفا «ما نقوله لهم (السوريين) هو ان عليهم القيام بإصلاحات جدية»، منتقدا المعارضة السورية لرفضها التحاور مع الاسد ومؤكدا وجود «بعض الاشارات المشجعة».
من جهته أكد المندوب السوري في مجلس الأمن بشار الجعفري بعد الاجتماع ان 500 عنصر من قوات الأمن والجيش قتلوا في التظاهرات منذ اندلاعها في البلاد في 15 آذار الماضي. وقارن المندوب السوري بين الوضع في بلاده وما تشهده بريطانيا حاليا من اعمال شغب. وقال «انه لمن المفيد الاستماع الى رئيس الوزراء البريطاني وهو يتحدث عن مثيري الشغب وينعتهم بأفراد العصابات»، مضيفا «لا يسمح لنا استخدام المصطلح نفسه للحديث عن مجموعات مسلحة وإرهابية في بلدي. هذا نفاق، هذه غطرسة». وأكد الجعفري ان «ما حدث في لندن وبرمنغهام وبريستول لا يعدو كونه واحدا في المئة ربما مما حدث في بعض المناطق المضطربة في بلدي ومع هذا يرفض بعض الناس الاعتراف بالواقع».
وسارع المندوب البريطاني الى الرد على هذه التعليقات، واصفا اياها بـ«المثيرة للضحك». وقال بارهام «في المملكة المتحدة هناك وضع أخذت فيه الحكومة اجراءات متكافئة وقانونية وشفافة لضمان تطبيق القانون على مواطنيها». وأضاف انه بالمقابل «في سوريا، تشن هجمات على الآلاف من المدنيين العزل الذين قتل الكثيرون منهم. المقارنة التي اجراها السفير السوري مثيرة للضحك».
مواقف عربية
من جهته، أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي أن تداعيات الأزمة الراهنة التي تمر بها سوريا تهدد امن المنطقة واستقرارها. ويأتي ذلك فيما تلقى العربي اتصالا هاتفيا من وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو أطلعه فيه على نتائج محادثاته مع القيادة السورية، وما وصفه بـ «خريطة طريق» لمعالجة الأزمة الراهنة التي تمر بها سوريا. وكان هذا الموضوع محور المحادثة الهاتفية التي أجراها العربي أيضا مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم.
ودعت تونس الحكومة السورية ومعها المعارضة والمجتمع المدني الى «وقف فوري» لاعمال العنف والانخراط في «حوار وطني جاد». واوضح بيان صادر عن وزارة الخارجية التونسية ان «تونس حكومة وشعبا تتابع ببالغ القلق والانشغال وعميق الحزن والاسف الاحداث الخطيرة» في سوريا. وأعربت الخارجية التونسية في بيانها «بكل وضوح عن موقفها المبدئي الرافض لاستعمال العنف المفرط وغير المبرر في التعامل مع التظاهرات والمسيرات الشعبية المطالبة بالاصلاح والتغيير» مؤكدة في الوقت نفسه «رفضها لاية محاولات تستهدف استغلال الاوضاع التي تعيشها سوريا الشقيقة من اجل المساس بأمنها واستقرارها». وتابع البيان ان «تونس تهيب بالحكومة السورية وبكل اطراف المعارضة والمجتمع المدني السوري ان تعمل من اجل وقف فوري لاعمال العنف وإطلاق حوار وطني جاد من اجل تحقيق التطلعات المشروعة للشعب السوري»

