أحمد سلامتيان، سكرتير دولة سابق في الجمهورية الإيرانية الإسلامية، والمتخصص بالشأن الإيراني، يعيش اليوم في باريس. أصدر أخيراً كتاباً مشتركاً مع سارة دانيال، عنوانه "إيران. الثورة الخضراء. نهاية الإسلام السياسي؟". بمناسبة مرور عامين على هذه الثورة، التقت به مجلة "لونوفل ابزفاتور" (30 حزيران 2011) وأجرت معه حواراً هنا نصه:
* بعد عامين على انطلاقة "التمرّد الأخضر" ضد النتائج الباطلة لانتخاب أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية، ومع بداية الربيع العربي، أين أصبح هذا التمرّد؟
– الأمر الأكثر إثارة للدهشة، هو أنه، وبعد عامين من الملاحقات، ازدات هذه الحركة "حرفية" وتركيزاً. هي لم تُسحق، بل تعمّق تأثيرها داخل المجتمع. من الصعب جداً تدمير الحركة الخضراء لأنها حركة مدنية، سلمية، تعددية، غير قابلة للاستيعاب، ليس لها زعيم ولا هرمية محدّدة. ما كان يبدو أنه نقطة ضعف لديها، هو في الواقع نقطة قوة.
والسلطة بالمقابل، باعتقالها المحامين والصحافيين والطلاب والفنانين والبلوغرز (المدونين)… تحاول افتعال صدام مع الذين يواجهونها. لكن المجتمع تعلم فنون تفادي المواجهة، أو التملّص منها. ولكي تستمر الحركة بالوجود، فهي لا تكف عن اختراع أنماط من الاحتجاج، كلها غير عنيفة، مبقية بذلك على شعلة الرفض. وهي لا تتوقف عن ممارسة تعبيرها عن هذا الرفض، مثلما تفعل أثناء دفن معارض اغتيل داخل السجن. الناشطون في الحركة الخضراء يعلمون أن نضالهم سوف يكون طويلاً. والمثير للاهتمام، هو أن النظام لم يعد قادراً على تجنيد أنصاره أنفسهم، بالرغم مما يغدقه عليهم من أموال تفيض عن الريع النفطي.
أما الظاهرة المقلقة، فهي ذاك التحالف الذي أقامته مجموعة داخل "الحرس الثوري" مع المجرمين والمرتزقة. ففي نهاية شهر أيار قام عناصر من هذا التحالف باغتصاب العديد من النساء في حفلة خاصة، في مدينة خمينيشهر، القريبة من أصفهان. السلطات الدينية والبوليسية ادّعت وقتها أن الاغتصابات ارتكبت بسبب الهندام "غير الإسلامي" لهؤلاء النسوة… الذي "استفز" المعتدين، فانتهى الأمر بـ"لوم" النسوة! هذه القضية كانت بمثابة الفضيحة في إيران بين مختلف الشرائح والفئات، وأثارت الخوف لدى الإيرانيات.
لم يحتفل أحد بالذكرى الثانية لـ"إعادة انتخاب" أحمدي نجاد هذه السنة. فالنظام يعتبر هذا الحدث مثل العبء الذي يتوجب عليه التخلّص منه: فهو أدى الى نزع الشرعية عن النظام، بما في ذلك مرشده الأعلى، علي خامنئي.
* اليوم هناك معركة في القمة بين أنصار أحمدي نجاد وأنصار علي خامنئي. هذا الصراع، هل هو ذو طبيعة سياسية أم دينية؟
– إنه بالدرجة الأولى صراع سياسي، وهو إشارة واضحة الى أن التحلّلٌ تسرّب الى عمق بلاط النظام. بعد تسعة أشهر سوف تجري انتخابات تشريعية، وسوف تكون نتيجتها حاسمة في انتخاب رئيس جمهورية مقبل بعد عامين. الفترات الما قبل انتخابية في إيران هي فترات تعبئة وتجنيد، خصوصاً في الأرياف؛ فأثناءها ترتسم تصورات التنوّع الوطني، فضلاً عن المناورات السياسية المختلفة.
في هذا السياق، حاول أحمدي نجاد الإمساك بوزارتي الاستخبارات والنفط، وهما مؤسستان حيويتان للسيطرة على المجريات الانتخابية، وكانت النتيجة أنه كسب عداء المرشد الأعلى. حتى هذه اللحظة، يمكن القول بأن أحمدي نجاد خسر الجولة الأولى من صراعه مع المرشد، ولكن نجاد عنيد سياسياً.
لقد خسر حراس الثورة الذين وقفوا مع المرشد. حراس الثورة بدورهم منقسمون، بسبب تناقض مصالحهم الاقتصادية. وهم مقتنعون بأن سياسة نجاد الديماغوجية تفضي بهم الى الإفلاس. علينا أن نعلم أيضاً أن أعضاء حرس الثورة و"الباسدجي" ليسوا بمنأى عن التوترات السائدة الآن في المجتمع الإيراني، كذلك وسط عائلاتهم ومحيطهم المباشر. هذه الطبقة صاحبة الامتيازات هي الآن في حالة من الترصد والترقب. ولكنها ليست خالدة. ووحدتها المزعومة لا تتجسّد إلا في الولاء للمرشد. إن الخوف الأكبر للنظام ليس الحركة الخضراء بل الثورات العربية، خصوصاً الثورة السورية. فسوريا هي حليف استراتيجي لإيران في المنطقة. وانتصار الثورة على النظام سوف يكون بمثابة الكارثة لدى الجمهورية الإسلامية؛ ولكن أيضاً إذا انتصر بشار الأسد، سوف يكون هناك مشلكة: إذ إن إيران التي ساندته عسكرياً في عملية قمعه للشعب السوري، سوف يُشار اليها بصفتها متماهية مع الديكتاتوريات العربية. لم يعُد النظام الإيراني يملك أدوات اللحمة الاسمنتية الايديولوجية-الدينية لسدّ الثغرات التي تهدّده. وتلك هي الفرصة الحقيقية للحركة الخضراء.

