فيما يتطلع مسؤولو إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى مرحلة ما بعد خفض القوات الأميركية في أفغانستان، تظل مقاربة أساسية مهيمنة على تفكيرهم متمثلة في التوصل إلى اتفاق متفاوض عليه مع حركة "طالبان" لإنهاء الحرب وطي صفحة أفغانستان. فبعد أشهر من الهدوء ودبلوماسية الكواليس، بدأ المسؤولون الأسبوع الماضي يعلنون تحقيق بعض التقدم في جهود المباحثات، وهو ما صرحت به وزيرة الخارجية أمام لجنة في الكونجرس يوم الخميس الماضي، قائلة: "فقط الآن بدأنا نرى تواصلا في الحديث إلى طالبان يدلل على استعداد الإدارة لمناقشة المستقبل". ويرى مسؤول أميركي آخر أن الضغط العسكري المتواصل على "طالبان" أرغمها على دخول المفاوضات مع الولايات المتحدة، بل إن المباحثات التي جرت مع الحكومة الأفغانية وحلفاء أميركا ساعدت في بلورة موقف مشترك حول المفاوضات ووفرت، حسب المسؤول ذاته، "فرصة لم تكن موجودة قبل 18 شهرا".
هذا التواصل الأميركي مع "طالبان" أكدته أيضاً مصادر في كابول لها علاقة وثيقة بعناصر الحركة؛ فقد صرح "وحيد موجدا"، الذي كان مسؤولاً في نظام "طالبان" ولديه صلات بقادتها، أن "المباحثات انطلقت بالفعل بعدما أبدى عناصر الحركة اهتماماً حقيقياً بالموضوع"، مضيفاً: "كانت طالبان في السابق تصر على انسحاب أميركا من أفغانستان قبل الدخول في أية مباحثات، لكن اليوم يبدو أن تقدماً تحقق في المباحثات، وأن بعض العقبات تم تذليلها". وكان مسؤولون أميركيون قد التقوا ثلاث مرات خلال فصل الربيع الماضي بمحمد طيب آغا، أحد مساعدي الملا عمر زعيم الحركة، بحيث تم التوصل إلى اتفاق يقضي بشطب أسماء التنظيم من لائحة الأمم المتحدة للعقوبات، وهو ما يسمح لهم بالسفر إلى الخارج والتحرك بحرية أكبر.
لكن رغم التواصل الجاري بين المسؤولين الأميركيين و"طالبان"، مازال الجانب الأميركي حذراً من النتائج، حيث أشار أوباما في خطابه حول الانسحاب من أفغانستان في البيت الأبيض إلى المباحثات الجارية مع الحركة دون أن يعطي وعوداً بشأنها في دلالة واضحة على أن الأمور لم تحسم بعد، ويبدو أن هذا الاهتمام بحل متفاوض عليه في أفغانستان وتركيز النقاش العام عليه يؤشر إلى تحول ملحوظ في التفكير الأميركي. فإلى وقت قريب وتحديداً في يناير 2010 لم يكن المسؤولون الأميركيون خلال حضورهم للمؤتمرات الدولية حول الحرب في أفغانستان، يتحدثون عن مفاوضات مع "طالبان"، وإن كانوا قد أشاروا في السابق إلى إمكانية إعادة تأهيل المقاتلين للاندماج في المجتمع الأفغاني. هذا التوجه الجديد نحو التفاوض مع "طالبان" دعمه التراجع الكبير في تأييد الرأي العام الأميركي للحرب في أفغانستان وتململ فئات واسعة من استمرار الولايات المتحدة في المغامرة الأفغانية. وتدليلا على الانخراط الأميركي التام في البحث عن مخرج سياسي من أفغانستان، فقد انكب "مارك جروسمان"، المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان وباكستان، على التواصل مع الحركة وحصر مهمته في إقناع عناصرها بفوائد الجلوس إلى طاولة المفاوضات. هذا في الوقت الذي كانت فيه مهمة التواصل مع المسلحين جزءاً محدوداً من دور أكبر لسلفه الراحل "ريتشارد هولبروك".
وأكثر من ذلك، فإنه يمكن تلمس الاستعجال أميركي في المضي قدماً تجاه حل سياسي يقوم على التفاوض مع "طالبان" من خلال الطريقة التي دفعت بها الأمور حتى دون اللجوء إلى حكومة كرزاي، رغم إصرار إدارة أوباما على أن أي مفاوضات ستكون بقيادة الحكومة الأفغانية. ويضاف إلى ذلك المرونة التي أبداها المسؤولون الأميركيون في التفاوض مع "طالبان"، حيث سبق للوزيرة كلينتون أن أعلنت في فبراير الماضي عن استعداد بلادها لإجراء مباحثات مع الحركة دون موافقة هذه الأخيرة على الشروط الثلاثة الأساسية التي فرضتها الولايات المتحدة في وقت سابق، وهي: نبذ المسلحين للعنف، ووقف أي تحالف للحركة مع تنظيم "القاعدة"، والقبول بما جاء به الدستور الأفغاني. وقد سعت إدارة أوباما لدعم جهودها بإشراك البلدان المجاورة إيماناً منها بأن اتفاقاً شاملا يحظى بموافقة وتأييد الجيران، قادر على تبديد الاحتقان في المنطقة. لكن في الوقت الذي تسارع فيه إدارة أوباما في إنجاح المصالحة مع "طالبان" وتفتخر بنتائج الضغط العسكري في إقناع عناصر الحركة بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، يحذر العديد من الخبراء في واشنطن وكابول من التبعات الخطيرة لإعلان أوباما الانسحاب من أفغانستان؛ لأنه يخفف الضغط على "طالبان" وقد يدفعها للتشدد
وهو ما يذهب إليه "روبرت زاراتي"، المحلل بمعهد السياسة الخارجية بواشنطن قائلا: "لا شك أن سحب القوات الأميركية ينعكس على فهم طالبان للحاجة إلى المصالحة مع الحكومة". هذا في الوقت الذي اعتبر فيه "هارون مير"، المحلل الأفغاني، أن خفض القوات الأميركية يقوي "طالبان" ويقلل من حاجتها للحوار، قائلا إن "هدف طالبان هو السيطرة على جنوب أفغانستان، وهو أمر يعتمد على ما سيحدث من الآن وحتى نهاية العام الجاري، فلو عادت الحركة إلى قندهار وهلمند فستكسب المزيد من الزخم في ظل غياب القوات الأميركية، رغم ما قيل عن كسر شوكتها في الجنوب". ويبقى المفتاح الأساسي في الجهود الأميركية الموقف الباكستاني ومدى استعداد إسلام آباد للتعاون الجدي مع أميركا وأفغانستان لإنجاح المفاوضات مع "طالبان".

