فيما تستعجل الأكثرية انطلاق الحكومة، وتستعجل المعارضة انطلاق المواجهة مع ما تعتبره محور إيران – سوريا – لبنان، ذكرت تقارير إعلاميّة أنّ حزب الله الذي يراقب الوضع في سوريا بانزعاج شديد, لن يقف مكتوفا إذا شعر بأنّ حليفه الرئيس بشّار الأسد يشارف السقوط.
وأفادت وكالة رويترز أن حزب الله يتابع في انزعاج الاضطرابات الدائرة في سوريا، مبديا عزمه على منع الغرب من استغلال الاحتجاجات الشعبية هناك في إسقاط حليفه الرئيس بشّار الأسد.
وعلى مدى ثلاثة أشهر راقبت الجماعة الشيعيّة التي أيّدت الانتفاضتين الشعبيّتين اللتين أطاحتا الرئيسين المصري والتونسي الاضطرابات من بعيد، وأصدرت بين الحين والآخر بيانات مؤيّدة للأسد.
ويقول مسؤولون إنّ حزب الله لن يقف مكتوفا، بينما تتصاعد الضغوط الدوليّة على الأسد، وإنّه ملتزم بذل كلّ ما يلزم سياسيّا للمساعدة في تشتيت ما يعتبره حملة أجنبيّة على دمشق، لكنه يستعدّ في الوقت عينه لحرب مع إسرائيل إذا ضعف موقف الرئيس السوري.
وقال مسؤول لبناني مطّلع على طريقة تفكير حزب الله إنّ «الأخير لن يتدخّل نهائيّا ومطلقا في سوريا وفي ما يجري فيها. ما يحصل هناك الآن هو شأن داخلي سوري. ولكن عندما يرى الحزب أنّ الغرب يحشد ليطيح بـ الأسد فإنّه لن يقف متفرّجا. بل سيحاول بكلّ ما يستطيع أن يبعد الضغط الدولي عن سوريا لأنّ هذا الضغط هو، في اعتقاده، نتيجة حملة أميركيّة – إسرائيليّة. إنّها معركة بقاء».
ويعتقد حزب الله أنّ الغرب يعمل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط عن طريق إبدال الأسد برئيس أكثر ودّا مع إسرائيل ويعادي حزب الله.
وقال مسؤول عربي مقيم في لبنان وقريب من دمشق «الآن المنطقة في معركة. معركة بين ما هو جيّد وبين ما هو مدعوم من أميركا، وسوريا هي الجيّد الآن».
ويستبعد المحلّلون وقوع حرب إقليميّة شاملة بين سوريا وإيران ولبنان، ضدّ إسرائيل التي تدعمها الولايات المتّحدة، وقالوا إنّ الأرجح أن تقع الحرب بين حزب الله وإسرائيل.
وقال مسؤول عربي: «لن ينهار الوضع في سوريا كما يريد الاميركيّون، وإذا انهار فستكون له انعكاسات تتخطّى سوريا، لا أحد من كلّ حلفاء سوريا سيقبل بانهيار فيها ولو كان سيؤدّي ذلك إلى قلب الطاولة، والحرب مع إسرائيل هي أحد الخيارات».
وقال مسؤول لبناني آخر طلب عدم الكشف عن اسمه: «سوريا هي بمثابة الرئة لحزب الله… وهي جبهة الإسناد له من ناحية الحصول على السلاح وغيره».
الوضع الداخلي
وبالعودة الى الشأن الداخلي, طُبِعت المرحلة الراهنة بطابع الاستعجال الذي بات قاسما مشتركا لدى الجميع، دوليّا وإقليميّا ومحلّيا. فالخارج يستعجل انكشاف صورة الشرق الأوسط الجديد في ضوء تحرّكات شعوب عربيّة ضد أنظمتها، وسوريا تستعجل إنجاز الإصلاحات للإفلات من سيف العقوبات التي توسّعت دائرتها من جهة، وترفع وتيرة لهجتها بإعلانها أنّ "القافلة السوريّة ستسير مهما عوت الكلاب، والذي أقرنته بوعد قضى بتقديم نموذج ديمقراطي صنعه السوريّون بأيديهم عبر حوارهم، وبتهديد بأنّها "ستنسى أنّ هناك أوروبا على الخريطة. وستطالب بتجميد عضويّتها في الاتّحاد من أجل المتوسط" من جهة ثانية.
لكنّ سوريا التي نفت وجود أيّ تدخّل لإيران وحزب الله في ما يجري على أراضيها، وأكّدت أنه لم يكن لدى رئيسها بشار الأسد وقت للتدخّل في عملية تأليف الحكومة اللبنانية، استقبلت أمس الوزير المستقيل طلال أرسلان لعرض الأوضاع في لبنان بعد تأليف الحكومة.
القرارات الدوليّة
ووسط هذا المشهد ظلّ موضوع القرارات الدوليّة موضع اهتمام الأكثريّة الجديدة في ظلّ تنامي دعوات المجتمع الدولي للبنان إلى ضرورة احترام تعهّداته الدولية، ولا سيّما المتعلق منها بالمحكمة الدوليّة.
وفي هذا الإطار، شدّد سفراء الاتّحاد الاوروبي في لبنان، في بيان لهم بعد اجتماعهم برئيس الحكومة نجيب ميقاتي، على أهمّية اعتماد حكومته بيانا وزاريّا يدعم التزامات لبنان الدولية، خصوصا قراري مجلس الأمن 1701 و1757. وأكّدوا "أهمّية أن تتابع المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان عملها من دون عوائق وبتعاون السلطات اللبنانيّة".
من جهته، واصل ميقاتي إرسال إشارات التطمين إلى الخارج، فأكّد "الالتزام بأفضل العلاقات مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي واحترام القرارات الدوليّة وتطبيق القرار 1701. فيما سجّل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ما سمّاه مفارقات في الموقف الأميركي بالتعاطي مع الحكومة في لبنان"، واعتبر أنَّ "هناك موقفا مزدوجا"، قائلا: "الغريب أنّ ما كان مسموحا في حكومة الرئيس سعد الحريري لم يعد مقبولا في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وهذا أحد شواهد هذا الموقف".
البيان الوزاري
وعلى وقع هذه الصورة، تواصل اللجنة الوزاريّة المكلّفة إعداد البيان الوزاري في الرابعة بعد ظهر اليوم مناقشة مسوّدة هذا البيان بعد اجتماع ثالث عقدته أمس، وأنهت وفق معلومات "الجمهورية" صوغ كلّ البنود المتعلقة بالسياسة العامّة للحكومة، بما فيها بند قانون الانتخاب الذي تمّ التوافق عليه على أن تكون النسبيّة إحدى الخيارات الأساسيّة فيه، ولم يتبقّ أمامها سوى بند المحكمة الدوليّة الذي أرجىء بغية إنضاجه والتوصّل إلى صيغة ترضي جميع اللبنانيين.
وقال أحد أعضاء اللجنة لـ"الجمهورية" أنّها أنجزت في اجتماعها أمس إعادة صياغة البيان بشقّيه السياسي والداخلي المتعلّق بعمل الوزارات وأبدى أعضاء اللجنة اقتراحات وأفكارا على أن يتمّ في اجتماع اليوم صوغ مسوّدة ثانية للبيان ينبغي أن تكون نهائيّة، خصوصا وأنّ ميقاتي سيقدّم اليوم صيغة لبند المحكمة الدوليّة الذي لم يناقش أمس.
غير أنّ مصادر وزارية أخرى قالت لـ"الجمهورية" إنّ البحث في بند المحكمة يتمحور حول ثلاثة خيارات:
الأوّل: اعتماد الصيغة نفسها التي وردت في البيان الوزاري لحكومة الحريري، وهو مطلب "جبهة النضال الوطني"، لكنه غير مقبول لدى حزب الله الذي يرفض تضمين البيان أيّ إشارة إلى المحكمة.
الثاني: عدم الإشارة إطلاقا الى موضوع المحكمة، الأمر غير المقبول لدى بعض الأطراف السياسيّة في الحكومة، ولا سيّما منها رئيس الجمهورية ميشال سليمان وميقاتي ورئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط.
ثالثا: اتّباع صيغة معيّنة تتحدث عن التزام لبنان الشرعيّة الدوليّة، لكن مع ربطها بالمصلحة الوطنيّة العليا، الأمر الذي لا يزال مرفوضا لدى حزب الله حتى الساعة.
وكشفت المصادر أنّ هناك أصواتا داخل الأكثرية طالبت ميقاتي بعدم الاستماع الى الضغوط الدولية في هذا الإطار، والتي كان آخرها ما نقله إليه أمس السفراء الاوروبيون الذين طالبوه بأن يكون بند المحكمة أقوى ما ورد في بيان حكومة الحريري، وتضمينه التزام الحكومة الاستمرار في التعاون والتمويل.
وفي المعلومات أيضا أنّ آراء المجتمعين تفاوت إزاء صياغة بند المحكمة لكنهم أجمعوا على أنّه يحتاج إلى مزيد من الدرس والتشاور الذي سيستمرّ في خلال الساعات المقبلة للوصول إلى صيغة يتمّ التوافق عليها. واذا أمكن ذلك، تكون جلسة اليوم هي جلسة إنهاء البيان الوزاري على أن تعقد غدا الجمعة الجلسة الأخيرة للصياغة النهائيّة، لتعقبها جلسة لمجلس الوزراء يقرّ بعدها البيان، ويحال إلى رئيس مجلس النوّاب ليحدد موعد جلسة الثقة المرجّح لديه الأربعاء المقبل، في حال تسلّمه هذا البيان بعد غد السبت، حسب ما كان أبلغ إلى "الجمهورية" أمس الأول.
في المقابل، توقّعت مصادر وزاريّة أن يتمّ ترحيل بند المحكمة إلى طاولة الحوار الوطني في اعتباره بندا خلافيّا بين اللبنانيين، مشيرة الى أنّ ما يتم التشاور فيه حتى الآن هو الصيغة التي ستُعتمد في البيان الوزاري.
طاولة الحوار
على صعيد آخر، أكّدت مصادر رئاسة الجمهورية لـ"الجمهورية" أنّه ما يزال مبكّرا الحديث عن عقد طاولة الحوار على رغم اقتناعها بأنّها يجب ان تستمرّ لأنها مفيدة، إلّا أنّ الأرضيّة غير مهيّأة لعقد هذه الطاولة في ظلّ ضبابية مواقف الأطراف منها.
وكشفت المصادر نفسها أنّ سليمان سيجري المشاورات اللازمة في هذا الإطار في المرحلة المقبلة، مع الأخذ في الحسبان عدم دفع قوى 8 آذار الى اعتبار عقد الطاولة تعويما لقوى 14 آذار، ولا اعتبار قوى 14 آذار أنّ طاولة الحوار هي جائزة ترضية
لها. ومن هذا المنطلق سيعكف سليمان مشاوراته على تجنّب هذين الأمرين، وفق صيغة تلزم الجميع طاولة الحوار مصلحة وطنيّة عليا.

