الانتخابات البرلمانية التركية في 12 حزيران المقبل ذات أهمية استثنائية، رغم معرفة أن حزب التنمية والعدالة سيفوز بالأغلبية، فهي منطلق الدستور الجديد والأمل بحل المسألة الكردية والانتقال إلى النظام الرئاسي، رئاسة أردوغان نفسه·
من غير المتوقّع أن تحمل الانتخابات البرلمانية التركية في 12 حزيران المقبل الكثير من المفاجآت· فمن المرتقب أن يحتفظ <حزب العدالة والتنمية> الحاكم بالسلطة عبر الفوز بأغلبية المقاعد في مجلس النوّاب· ومع ذلك، ستشكّل هذه الانتخابات نقطة تحوّل أساسية في تطوّر تركيا الحديثة لثلاثة أسباب مختلفة·
أولاً، لقد وعد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بأن يكون أول عمل يقوم به البرلمان الجديد وضع مسوّدة دستور جديد يحل مكان الدستور العسكري السلطوي لعام 1982· وحده الدستور الجديد كفيل بأن يمنح تركيا الأمل بتسوية مشكلتَين ملحّتين: عدم التوازن في العلاقات بين الدولة والمجتمع، والمسألة الكردية· وقد تأكدت هذه الحاجة من خلال القرار المفاجئ الذي اتّخذه المجلس الأعلى للانتخابات بمنع اثني عشر مرشحّاً من <حزب السلام والديمقراطية> الموالي للأكراد من المشاركة في الانتخابات، مما ألقى بالعملية بأسرها في دوّامة من الاضطرابات· ثانياً، تجسّد هذه الانتخابات بداية انتقال في القيادة في أنقره· فأردوغان ? الذي وعد بعدم الترشّح للمجلس النيابي في المرة المقبلة ? يسعى إلى تحويل تركيا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وهدفه أن يصبح هو نفسه الرئيس·
أخيراً، سوف تحدّد هذه الانتخابات إذا كان الحزب المعارض الأساسي، <حزب الشعب الجمهوري>، قادراً على أن يعيد اختراع نفسه لاستعادة دور المنافِس والمتحدّي الجدّي لـ>حزب العدالة والتنمية> الحاكم·
يتوقّف تحقّق أي من الأهداف الثلاثة على إستراتيجيات الأحزاب ونتائج الانتخابات· لقد شكّلت لوائح المرشّحين التي رُفِعت في مطلع نيسان الماضي القنبلة الأولى في السباق المقبل·
المتنافسان الأساسيان: <حزب العدالة والتنمية> و<حزب الشعب الجمهوري> هناك قاسم مشترك بين لائحتَي المرشّحين اللتين قدّمهما <حزب العدالة والتنمية> و<حزب الشعب الجمهوري>: خضعت كلتاهما لتغيير جذري· لقد استخدم زعيم <حزب العدالة والتنمية>، أردوغان، وزعيم <حزب الشعب الجمهوري>، كمال كيليتشدار أوغلو، سلطاتهما لإقصاء عدد كبير من النوّاب الحاليين من لائحتَيهما· فقد استبعد أردوغان 167 من أصل 333 نائباً حالياً عن <حزب العدالة والتنمية> في مجلس النواب، وفي خطوة أكثر دراماتيكية إلى حد ما، أقصى كيليتشدار أوغلو 78 من نوّاب حزبه المئة وواحد·
لكن أوجه التشابه تنتهي عند هذا الحد· فعلى الرغم من التطهير، يرغب <حزب العدالة والتنمية> بشدّة في أن يُقدِّم صورة تدلّ على الاستمرار والثبات· ويترشّح أردوغان انطلاقاً من رصيده الاقتصادي وإنجازاته الدولية في شكل أساسي· فتركيا هي الآن أكثر ازدهاراً بكثير مما كانت عليه عندما تسلّم رئاسة الوزراء قبل ثمانية أعوام، كما أنها أصبحت فاعلاً عالمياً مهمّاً· يستطيع أردوغان أن يقول أن تركيا أصبحت في عهده الاقتصاد السادس عشر في العالم وعضواً في مجموعة العشرين· يمكن اختصار استراتيجياً <حزب العدالة والتنمية> بأنها <تسير بصورة مطّردة> وتبشّر بأزمنة أفضل بكثير·
يصعب أن نؤكّد ما هو بالضبط عدد أعضاء <حزب العدالة والتنمية> الذين يعارضون خطة أردوغان لإحداث تحوّل دراماتيكي في النظام السياسي التركي، لكن لا شك في أن هناك معارضين للخطة داخل حزبه· تختلف الأسباب، من الخوف من التلاعب بنظام يقبل به الناخبون مروراً بتركيز السلطة أكثر فأكثر في يد شخص واحد وصولاً إلى تسييس الرئاسة، هذه المؤسّسة القادرة إلى حد كبير على تجاوز الانقسامات العميقة في النظام السياسي·
من المعارضين لهذا التحوّل الرئيس الحالي عبدالله غول، رفيق السلاح السابق لأردوغان· ليس مفاجئاً أن عدداً كبيراً من النوّاب الذين يُعتبَرون مقرّبين من غول استُبعِدوا من اللائحة النهائية لـ>حزب العدالة والتنمية>· وقد استبدلهم أردوغان بأكثرية من التكنوقراط من داخل الحزب وبعض الخبراء الدستوريين الذين يُتوقَّع أن يدعموا جميعهم طموحاته الرئاسية·
في الواقع، برنامج <حزب العدالة والتنمية> الانتخابي هو أردوغان نفسه: هو الحزب والحزب هو أردوغان· أنه السياسي الأكثر سيطرة الذي عرفته تركيا منذ أجيال·
في المقابل، كانت لائحة <حزب الشعب الجمهوري> أكثر إثارة للاهتمام· فقد كان كيليتشدار أوغلو، بصفته قائداً جديداً يستعدّ لخوض انتخاباته الأولى، متلهّفاً لتوجيه رسالة تغيير ? بأن <حزب الشعب الجمهوري> لم يعد الحزب الذي يدافع عن الدولة والأيديولوجيا الكمالية ? وحماية نفسه من الحرس القديم في الحزب· ولذلك تخلّص من كل الأشخاص الذين كانوا مرتبطين بسلفه، دنيز بايكال·
بيد أن كيليتشدار أوغلو قام أيضاً بمجازفة ألقت بظلّها على صورته الإصلاحية· تشمل لائحته مرشّحين متّهمين في قضية مؤامرة <إرغينيكون>، فثلاثة منهم على الأقل هم قيد الحجز السابق للمحاكمة التي تتمحور حول اتّهامات عن تخطيط مجموعات متعدّدة تضمّ ضباطاً عسكريين متقاعدين وفي الخدمة، لإطاحة حكومة <حزب العدالة والتنمية>، الأمر الذي ينفيه الضبّاط·
من شأن وقوف <حزب الشعب الجمهوري> علناً إلى جانب الجيش والنخبة في الدولة أن يثير نفور عدد كبير من الأشخاص في المجتمع الذين كان يمكن أن يصوّتوا للحزب، ولو كان السبب فقط أنهم اكتفوا من حكم <حزب العدالة والتنمية> طوال ثماني سنوات· كما أن المرشّحين المرتبطين بشبكة <إرغينيكون> تبنّوا علناً مواقف بغيضة بالنسبة إلى القاعدة الحزبية ومؤيّدي الحزب من المثقّفين·
باختصار، رسالة <حزب الشعب الجمهوري> هي التغيير: التغيير بالنسبة إلى ماضيه، والتغيير في وجه <حزب العدالة والتنمية>· المشكلة هي أنه زاد الأمور تشويشاً· سوف يحظى بفرصة فتح صفحة جديدة عندما يُقدِّم برنامجه الانتخابي· فهل سيتمكّن من تحدّي <حزب العدالة والتنمية> في مسائل تثير اهتمام الناخبين، ولاسيما الاقتصاد والبيروقراطية والتعليم؟
المشكلة في <حزب الشعب الجمهوري> هي أنه يواصل التأرجح، كما تكشف لوائحه الانتخابية، فهو يريد أن يكون كل شيء لكل شخص· في حين يُرجَّح أن يتحسّن أداء الحزب وتبرز مؤشّرات واضحة جداً عن زيادة الحماسة والغليان في صفوف القاعدة الحزبية، يبقى <حزب العدالة والتنمية> بطل العرض في هذه الحملة الانتخابية·
*تقنيات التعذيب·· هل تحمي أميركا؟ جون ماكين واشنطن بوست أثار مقتل بن لادن نقاشاً واسعاً حول الدور الذي لعبته تقنيات الاستنطاق المتقدمة التي استخدمت خلال جلسات التحقيق مع المعتقلين ومحوريتها في التعرف على مكان بن لادن، وما إذا كانت بالتالي وسائل مبررة يمكن اللجوء إليها لجمع المعلومات الاستخباراتية· والحقيقة أن جزءاً كبيراً من هذا الجدل يدور حول تعريف التعذيب، ومدى اندراج تلك الممارسات والتقنيات التي استخدمت ضمن التعذيب· وفي رأيي الشخصي أنها بالتأكيد تدخل في إطار التعذيب، خاصة فيما يتعلق بتقنية الإيهام بالإغراق التي تشبه عملية الإعدام، ومن ثم لا يمكن التعامل معها سوى كوسيلة من وسائل التعذيب، وهي باعتبارها كذلك تبقى محظورة في القانون والقيم الأميركيين· لكني في الوقت نفسه متأكد من أهداف المحققين الذين استخدموا تلك التقنيات، والمتمثلة في حماية أميركا والأميركيين، وأعرف يقيناً أن ما حركهم هو التعاطف مع ضحايا الهجمات الإرهابية والرغبة في التأكيد على أن الولايات المتحدة لن تتوقف عن ملاحقة الإرهابيين وتقديمهم للعدالة مهما طال الزمن· لذا لست من الذين يدعون إلى محاكمة هؤلاء المحققين الذين كان همهم الوحيد الدفاع عن أميركا، وإن استخدموا طرقاً وتقنيات لا يقرها القانون·
لكن، ورغم التطمينات التي مُنحت للمحققين، وإعلان الرغبة في عدم متابعتهم بعد صدور القانون المجرم للتعذيب، لابد من فتح نقاش بنّاء؛ فقد أورد المدعي العام السابق <مايكل موكاسي>، في حوار أجري معه مؤخراً، أن <المعلومات التي قادت إلى بن لادن··· بدأت بما كشف عنه خالد الشيخ محمد الذي انفجر مثل سد تحت ضغط أساليب الاستنطاق القاسية التي تضمنت الإيهام بالغرق، ليتدفق منه سيل من المعلومات بما في ذلك اسم أحد حاملي رسائل بن لادن الذي قادنا إليه>· غير أني عندما سألت مدير وكالة الاستخبارات المركزية، <ليون بانتيا>، حصلت على رواية مغايرة قال فيها: لم يُكشف الخيط الأول الموصل إلى بن لادن مع خالد الشيخ محمد الذي تعرض للإيهام بالإغراق 183 مرة، بل أن أول إشارة إلى <أبو أحمد الكويتي>، وهو اسم حامل رسائل بن لادن، فضلا عن توصيف دقيق له، جاء من معتقل كان محتجزاً في بلد خارج الولايات المتحدة ولم يتعرض لأي نوع من أنواع التعذيب·
وإذا كان التعذيب في بعض الأحيان يؤدي إلى نتائج جيدة إلا أنه في أغلب الأوقات يعطي معلومات مضللة؛ لأن المعتقل الخاضع للتعذيب لا يهمه سوى التخلص منه حتى لو اضطر إلى قول ما يريد المحققون سماعه؛ لتبقى الحقيقة أن إساءة معاملة المعتقلين تهدد جنودنا في الخارج الذين قد يقعون يوماً ما في الأسر، وحتى في حال عدم تقيد <القاعدة> أو الجماعات المشابهة بقيمة المعاملة بالمثل، فإنه يتعين التحسب للحروب التقليدية التي تخوضها أميركا والحرص على سلامة جنودنا حتى بعد الوقوع في الأسر·
والعزاء الوحيد بعد المدة الطويلة التي استغرقها الوصول إلى بن لادن هو أنه عاش طويلاً حتى يرى <الربيع العربي> الذي جاء ليدحض كل ما يدافع عنه ويؤسس لإمكانية التغيير السلمي بديلاً لأيديولوجيته المتطرفة· وفيما نناقش اليوم الطريقة التي يمكن بها للولايات المتحدة مساعدة الربيع العربي، فإن أفضل ما يمكن القيام به في هذا المجال هو الالتزام بقيمنا كأمة تحترم حقوق الإنسان وتعليها على الرغبة في الانتقام· فحتى في حالة العقاب القانوني الذي يستوجب الإعدام، لا يمكن الإساءة إلى السجناء وحرمانهم من حقوقهم الأساسية التي ينص عليها الدستور الأميركي·
لكن، وإلى جانب النقاش العملي حول التعذيب الذي أثبتنا أنه لا يقود بالضرورة إلى معلومات أهم، وبالتالي قد لا يساهم في حماية أميركا، بل قد يعرض مصالحها الخارجية للخطر··· هناك الجانب الأخلاقي من النقاش الذي يحيل إلى القيم الأميركية المناهضة في جوهرها للتعذيب، مذكرين الذين يخوضون الحرب ضد الإرهاب بالنيابة عنا أن جزءاً مهماً من كسب المعركة يكمن في مدى تمسكنا بقيمنا الإنسانية والأخلاقية·

