هل من الضروري أن يكون هناك دائماً مدينة بنغازي أخرى، في أي بلد آخر غير ليبيا، يواجه سكانها الـ700 ألف مذبحة وحشية على يدّ طاغية آخر من نوع معمر القذافي، لكي تحسّ أميركا بأن ضمير العالم قد يتلطخ وأن عليها أن تهب مع حلفائها لمنع وقوع المذبحة؟
هذا هو السؤال الذي طرحه الكثيرون في العالم أمس، بعد استماعهم إلى كلمة الرئيس باراك أوباما التي حاولت أن ترسم للسياسة الخارجية الأميركية دائرة مقفلة على شكل علامة استفهام، بحيث لم يعد أحد يدري فعلاً ما إذا كان "التغيير" الذي اختاره أوباما شعاراً لمعركته الرئاسية كما يتذكر الجميع، سيقود أميركا الى مزيد من الانكفاء في اتجاه "مبدأ مونرو" الانغلاقي، بعدما كانت سياسة الحروب الاستباقية قد طبعت هذه السياسة في أيام جورج بوش الأب الذي حرّر الكويت من نكبة العرب الثانية أو غزو صدّام حسين، ثم في أيام جورج بوش الابن الذي شنّ حرباً بلا هوادة ضدّ الارهاب في أعقاب الهجمات على نيويورك عام 2001، قادت أميركا الى وحول أفغانستان والعراق وكبّدتها خسائر بشريّة وماديّة كبيرة، وهو ما يخلق شبه إجماع في الكونغرس حيال رفض التدخل في الخارج!
ليس واضحاً تماماً الى أين تسير أميركا الآن، وكيف ترسي قواعد سياستها الخارجية. هل على أساس المبادئ والقيم كما كان الأمر أيام دوايت ايزنهاور أم على أساس المصالح والمنافع كما يحصل منذ الستينات من القرن الماضي.
لكن من المؤكد تماماً أنه منذ انطلاق تسونامي "التغيير" الذي يجتاح منطقة الشرق الأوسط، ثبت مرّة تلو الأخرى أن التردد والتذبذب والضبابية غلبت على المواكبة الأميركية لهذا التطوّر الهائل، الذي لم تعرفه هذه المنطقة منذ نصف قرن.
ورغم الأهمية المطلقة للشرق الأوسط، الذي طالما نظرت اليه واشنطن على أنه بحيرة أميركية لأسباب اسرائيلية وغير اسرائيلية، وكذلك للخليج الذي تعتبره منطقة حيوية لأمنها القومي بسبب النفط والاستثمارات، فإن كل ما سمعناه منذ اندلاع الثورة التونسية ثم المصرية ثم الليبية واليمنية وحتى يومنا هذا، كان شريطاً من التصريحات والمواقف المتناقضة، سواء بين الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون أو بين كلام النهار في البيت الأبيض أو الخارجية يناقضه أو يمحوه كلام الليل فيهما.
أما عندما يتعلق الأمر بوزير الدفاع روبرت غيتس فإن تصريحاته تبدو وكأنها تأتي من كوكب آخر، بمعنى حرصه الدائم على القول تقريباً: التوبة، أميركا لن تتدخّل بعد الآن في أي مكان آخر من العالم.
وإذا كانت احتمالات وقوع بنغازي في مجزرة تلطخ ضمير العالم، هي التي دفعت واشنطن الى القبول بالقرار 1973، وفرض حظر جوي بعد مطالبة عربية واضحة من الجامعة العربية، فإن دخول أميركا في عمل هذه المظلة تم على رؤوس الأصابع، وانسحابها بدأ أمس على رؤوس الأصابع.
تمّ هذا رغم أن عدم سقوط مدينة سرت ومن بعدها طرابلس، يمكن أن يطيل أمد الحرب وخصوصاً في ظل الحديث عن رفض تزويد الثوّار ما يحتاجون اليه من الأسلحة لحسم المعركة ضد نظام القذافي.
وعلى هذا الأساس، فإن الاجتماعات التي تشارك فيها 40 دولة في لندن تحت عنوان "مجموعة الاتصال" لليبيا، والتي أعلن أن محور المناقشات فيها سيركز على تحديد "رؤية مستقبلية" للوضع في هذا البلد، بينما ستكون "الكعكة النفطية" في خلفية أذهان المشاركين، هذه الاجتماعات لا تخلو من عامل الاستعجال لسببين:
أولاً: لأن المعركة لم تُحسم نهائياً بعد ضدّ نظام القذافي، وقد تستجد عوامل ميدانية تجعل منها حرباً أهلية طويلة، تعيد أحياء اشباح التقسيم.
ثانياً: وهو الأهم لأن "المجلس الوطني الانتقالي" الذي يقود الثورة ضدّ القذافي، لم يضع برنامجاً واضحاً ومحدداً لإقامة النظام البديل الذي يفترض أن ينشأ من إرادة الشعب الليبي بعد سقوط القذافي نهائياً.
في أي حال، عندما يقف أوباما ويؤكد صراحة تمسكه بالدور العسكري المحدود لأميركا، وأننا "لن نقع في غلطة توسيع تدخلنا العسكري لإسقاط النظام" بما يعني أن واشنطن لن تكرر ما فعلته في العراق، فإنه بذلك يحاول أن يردّ على تحفظات الجمهوريين والديموقراطيين المتزايدة التي تدفع في اتجاه الانغلاق والعودة فعلاً الى "مبدأ مونرو".
لقد حاول أوباما أن يخفف من غلواء الدعوة الى الاستقالة الاميركية من العالم عندما قال إن بعض الدول يستطيع ان يحيد بنظره عن المذابح التي تقع في دول أخرى، ولكن "هناك إستثنائية أميركية. وكرئيس فإنني أرفض الانتظار لرؤية صور المذابح والقبور الجماعية قبل اتخاذ الاجراءات".
ومهما يكن من أمر فإن انكشاف حال الانقسام العميق في أميركا حول التدخل في المسرح الدولي، يأتي في وقت سيئ جداً ويعطي إشارات سلبية جداً إلى أمكنة كثيرة في هذه المنطقة التي تشهد وستشهد بالتأكيد مواجهات دموية بين الأنظمة والشعوب!

