علاقة آل شرف الدين وآل الأمين

يُقال أنّ هناك رواسب وحساسيّات في العلاقة بين أسرة آل الآمين وأسرة آل شرف الدين؟

من المعروف أن هناك أسراً عديدة من جبل عامل كانت وما زالت تعتبر أسراً دينيّة ولعل من أبرزها آل الأمين وآل شرف لادين وآل فضل الله وآل مغنية، وغيرهم بطبيعة الحال، ومن الملاحظ أن العلاقة بين هذه الأسر كانت تتراوح بين العلاقات الطبيعية والعلاقات الحميمة، وقلما نشأت حساسيات بين أسرة وأخرى من هذه الأسر.
والذي أريد الكلام عليه هنا بالتخصيص هو العلاقة بين أسرة آل شرف الدين وآل الأمين، لأذكر بأن هاتين الأسرتين كان فيهما عالمان كبيران في عصر واحد في مرحلة واحدة هما: السيد محسن الأمين والذي كانت له مكانة المرجع الديني في لبنان وفي سوريا على الأقل، وكان صاحب المؤلّفات الكثيرة المعروفة، وعلى رأسها موسوعته الضخمة أعيان الشيعة، وأيضاً فإن السيد عبد الحسين شرف الدين كان له مقام مميّز لا على المستوى العاملي فحسب، ولكن أيضاً على مستوى العالم الشيعي، وخصوصاً لاهتمامه بعقيدة الإمامة وشرحها والدفاع عنها بأسلوبه المميّز.

اقرأ أيضاً: السيد محمد حسن الأمين مع بعض علماء جبل عامل

ومن وجهة نظري أن كلا السيدين كانا يحترم الآخر ويقدره، ولكن التقاليد والأعراف السائدة في مجتمعاتنا عموماً بأن رجالاً بهذا المستوى المميز ينحاز الناس بعضهم إلى هذا وبعضهم إلى ذاك، وهذا ما كان من شأن السيدين المذكورين، ومع ذلك لم يصدر عن السيدين المذكورين ما يعزز هذه الحساسية، أو هذا الانقسام.
ولعلّ الحادثة الأكثر أهميّة في هذه العلاقة هي التي برزت عندما أفتى السيد الأمين فتواه الشهيرة الإصلاحية بشأن إقامة الطقوس الحسينية، ومنها ضرب الرؤوس واللطم وأعمال التشبيه وقد كانت هذه الفتوى مع حيثياتها المطولة والهامة تعتبر جرأة لم يعتد عليها العلماء حتى الذين يرون فيها ما يراه السيد الأمين نفسه، فإن من الملاحظ والمستغرب مني شخصياً أن يتصدّى الإمام شرف الدين لهذا الموقف الإصلاحي ويتخذ مواقف سلبية وقاسية وضد هذه الحركة الإصلاحية التي اضطلع بها السيد الأمين.
أذكر هذا لكي أكون أميناً في شرح العلاقة بين الأسرتين، ولكنني في الوقت نفسه أعتبرها مرحلة محدودة ولم تترك آثاراً سلبية في مستقبل هذه العلاقة، ولا في تاريخ العلاقة الحميمة بين السيد عبد الحسين شرف الدين ووالده السيد يوسف شرف الدين الذين كان تربطهم علاقة متينة بعلماء العائلة وخاصّة بالعالم الشهير والمرجع السيد علي محمود الأمين، الذي تنبأ للسيد عبد الحسين شرف الدين وكان في مطلع شبابه، تنبأ له أن يكون له شأن مميّز، حتى أنه كما يروي السيد جعفر شرف الدين (نجل السيّد عبد الحسين) أن السيد علي محمود الأمين قال لوالد السيد عبد الحسين (وهو السيد يوسف) عندما اطلع على الكتابات الأولى للسيد عبد الحسين وحاوره شخصياً إنه قال لأبيه: إن ولدك هذا سيكون له شأن وسيكون في مستوى يشبه مستوى الشريف المرتضى رضوان الله عليه.
وأذكر شخصياً أن والدي رضوان الله عليه وكان أحد كبار علماء آل الأمين كانت تربطه علاقة تقدير واحترام ومحبة أيضاً بالسيد شرف الدين، ثم تطورّت هذه العلاقات بيننا وبين آل شرف الدين أولاد السيد عبد الحسين وأحفاده وذريته وتحوّلت إلى صداقة مميزة معهم. وأذكر أنني في مطلع شبابي شاركت في احتفال تأبين السيد صدر الدين شرف الدين وكان أديباً موهوباً مميزاً، وقلت فيه قصيدة مميزة كما شاركوا هم وشاركنا معهم في كثير من مناسبات كهذه قد يطول شرحها لو اتسع المقام لذلك.
هنا أودّ أن أذكر أن كلاً من الشهيد السيد محمد باقر الصدر والإمام السيد موسى الصدر هما في الحقيقة فرع من عائلة آل شرف الدين ومن ناحيتي الشخصية فإنني كنت وما زلت أعتقد أن هذين الرمزين هما من أبرز رموز رجال الشيعة في عصرهما.
وقد كانت تربطني علاقة تقدير واحترام ومحبة وإعجاب أثناء وجودي في النجف بالشهيد الصدر، وقد كان لي لقاءات كثيرة ومطولة معه، ويمكنني القول بأن مجالسة هذا الرجل والاستماع إليه والنقاش معه يجعله في نظري من أرقى ما عرفت وما تعرفت عليه من رجال الفكر والنُبل والأدب والسموّ الأخلاقي، والحديث عن هذا الرجل يطول كثيراً لأنه ذو شخصية بالغة الغنى والتفوق والإخلاص، وقد قيّض لي أن أكتب أكثر من بحث حول فكره وشخصيته، وما زلت أعتقد أن فكره ما زال يتسع للكثير من البحث والتأمل وإعادة القراءة، وأعتبره أحد الرواد المميزين من رموز الحداثة الفكريّة الإسلاميّة.
فيما يتعلق بالإمام السيد موسى الصدر فلم أتعرف عليه في النجف لأنه كان قد وفد إلى مدينة صور في لبنان قبل سفري إلى النجف عام 1960، ولكنني تعرفت على جزء من شخصيته خلال أكثر من زيارة قام بها إلى النجف أثناء وجودي فيها، وما زلت أذكر أنه في العام (1962 أو 1963) دعوناه لإلقاء محاضرة في قاعة الرابطة الأدبية (وهي الرابطة الأهم على المستوى الفكري والأدبي في النجف) وكنت عضواً فيها، ولا أخفي أنني حين استمعت إلى محاضرته وكانت تتعلّق في رؤيته للعمل الديني، وفي تجربته الخصبة في هذا المجال، وفي سفره إلى أفريقيا، وشرحه لمستقبل الإسلام، وما يتطلبه هذا الأمر من جهد جعله يحث مدينة النجف والمرجعية إلى الاهتمام بإرسال الدعاة إلى تلك البلاد، وما زلت أذكر أنه في بداية كلمته قال بدماثته وتواضعه المميزَين: إنني الآن بينكم يا أساتذي وزملائي جندي عائد من الحرب وأقدم تقريري ورؤيتي لكم بهدف تلقي النصيحة والملاحظة.

اقرأ أيضاً: السيد الأمين.. بين تجربتي «البعث» في العراق وسوريا

في رؤيتي هذه التجربة المتواضعة التي قمت ولا أزال أقوم بها… ثم مرّ زمن طويل نسبياً بين هذه اللقاءات وعودتي إلى لبنان سنة 1972، ولا أنكر أنني في البداية كنت وبعض الأخوة من العلماء، وبحضور رمز ديني كبير في ذلك الوقت هو العالم المقدس الشيخ موسى عز الدين رضوان الله عليه نرى في توجهات الإمام الصدر مواضع للانتقاد بما جعل العلاقة سلبية إلى حد ما، بين هذه الجماعة والإمام الصدر ولكن لم تلبث هذه القطيعة المؤقتة حتى انتهت وجاءت ظروف مؤاتية، وخاصّة بالنسبة لي شخصياً للقائي معه، وأشهد أنه كان هو المبادر لذلك حين زارني وكنت ما زلت مقيماً في بلدتي شقراء، واعتبرت أن هذه الزيارة باتت ديناً في عنقي، وبادرت بعد ذلك، وخاصّة عندما عيّنتُ قاضياً في مدينة صور عام 1974 بزيارته، وكان يأتي كلّ أسبوع إلى مدينة صور ويستقبل الأصدقاء والناس في المعهد الشرعي الذي استمر طويلاً حتى بعد غيابه، ولكنه كان هو المؤسس لهذا المعهد وكان للعلامة الكبير السيد محمد علي الأمين المشرف على هذا المعهد والأستاذ الأول فيه، دور هام في تمتين العلاقة بيني وبين الإمام الصدر.
والحق أقول إن هذا الرجل كان شخصية فريدة على مستويات عديدة ولا أستثني منها قامته الشامخة ووضاءة وجهه، وسحر حديثه المستند إلى ذكاء حارق، لا تنقصه المعرفة الواسعة في شؤون الفكر والثقافة والرؤية الدينيّة واعتبر تغييبه خسارة فادحة لقضايا الفكر والاجتماع وحتى السياسة، والرؤية الوطنية المميزة بحيث يمكن القول بدون أي مبالغة إن تغييبه كان أكثر من خسارة شيعية أو إسلاميّة إنها خسارة وطنية للبنان كله.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 6 نوفمبر، 2018 6:12 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>