هاني فحص الفقيه العضوي

الحديث عن السيد هاني فحص، حديثٌ يطول، يتشعّب تشعب المسالك التي سلكها في مجالات الفقه والأدب والسياسة والاجتماع والتاريخ، ويتعدّد تعدد الموضوعات التي طرق أبوابها وفلح في حقولها حرثاً وزرعاً وريّاً. نشاطاته ودعواته ومواقفه وانخراطاته في الميادين العامة تستجمع كل الصفات التي تؤول إلى إنسان متعدد الأبعاد، مقابل الإنسان الموصوف بالبعد الواحد.

اقرأ أيضاً: الخوف الشيعي من السلاح

على أننا لسنا اليوم في معرض الحديث عن هاني فحص الإنسان، فقد نال هذا الجانب نصيباً كبيراً من الاهتمام في مناسبات عديدة أحيت ذكراه وكرّمت ما انطوى عليه وفاض من خلق ومزايا، هي بعضٌ من كثير.

هاني فحص الباحث، المستحضر اليوم والمثقف العام المتذكّر في خضم المحن، هو ما يبدو لي انه موضوع هذه الجلسة المخصصة لمراجعة كتابه “الشيعة بين الدولة والاجتماع”، وفي بوتقة ما يراجع من كتبٍ بمناسبة قيام هذا المعرض، في زمن عربي وعالمي تتلاطم فيه الأمواج والتيارات، والمؤسف أن تكون الأمواج أمواج دماء لا أمواج أفكار.

كيف نُعرّف هاني فحص، انطلاقاً من إنتاجه الفكري ولا سيما من خلال كتابه المذكور الذي جمع فيه مقاربات متعددة؟ هل هو فقيه؟ هل هو عالم سياسة؟ هل هو مؤرخ؟ هل هو عالم اجتماع؟

يصعب التعريف الأحادي بالسيد، أي بواحدٍ من هذه الألقاب العلمية، إنه مزيج يأخذ من كل طرف من هذه البحور شيئاً يستعين به لفهمٍ موضوعي لظاهرة اجتماعية، أو لحدث، أو لموقف أو لحالة من أحوال الناس والمجتمعات والدول. وأرجح أن هذا ما يجسده بامتياز كتاب “الشيعة بين الاجتماع والدولة”.

مقالات تنساب عبر التاريخ المعاصر والمعيش عن تاريخٍ مضى أو يمضى، لكنه تاريخ متأرجح في مضيه بين ذاكرة جماعية قلقة، وبين تأريخ لا يستكين إلى تاريخانية واضحة حتمية أو إلى غائية منشودة مرتقبة أو مرسومة. إنه هنا مؤرخ، ولكن ليس بمؤرخ محترف.

مقالات في الاجتماع السياسي يكتبها قلم باحث اجتماعي، ولكنه ليس بباحث محترف، يتمترس بالتوثيق الأكاديمي وبالشواهد والاستبيانات، انه الباحث المثقف.

مقالات يكتبها أيضاً فقيه، ولكن ليس فقيه حوزة، أو فقيه مرجعية أو توكيل من مرجع. إنه الفقيه الحر، المتحرر من قيود المرجعيات وحرفية التقليد، وانه عالم الدين الباحث الدائم عن المرجع الصالح للعصر، وللوطن الكريم وللدولة العادلة، أي لإنسان هذا الزمن ولمواطن هذا العالم وبلدانه ودوله.

بتعبير آخر ألخّص: انه المثقف العضوي في زمن غياب الالتزام أو نهايته، وانه أيضاً الفقيه العضوي، إذا جازت التسمية في زمن تسيّس رجال الدين واندراجهم في أحزابٍ سلطوية وغنائم سلطة، أي في زمن نهاية الإيمان مقروناً بالعمل الصالح، وكما هو حال اقتران الإيمان بالعمل الصالح في عشرات من الآيات القرآنية، بل في كل آيةٍ يُذكر فيها الإيمان أو المؤمن.

في هذه العجالة من قراءتي لكتاب “الشيعة بين الاجتماع والدولة”، أكتفي بإشارات دالّة على ما ذهبتُ إليه في توصيف السيد على أنه مزيج جميل وخاص وفريد من تاريخ وفقه وسياسة وعلم اجتماع.

مؤرخاً: قرأت السيد إذ يسعى إلى استخدام أحدث مفاهيم البحث التاريخي وفلسفة التاريخ. ففي هذا الزمن الذي انتعش فيه مؤرخو الطوائف انطلاقاً من تأبيد ذاكرات الطوائف الجماعية، كعصبيات ثابتة، وجواهر قائمة بذاتها على صور ماضيها المُتكرر في جموده يكتب السيد هاني في اشكالية كتابه التاريخ لماضي الشيعة ما يلي:

“نصاب منهجي مركب، هو ضروري لتعادَ على أساسه قراءةُ الماضي دون أن تكون مظاهرُ هذا الوعي ومفرداتُه وصفةً ملزمة” على أن وعي الحاضر – في الوعي التاريخي للسيد “إذا ما تم تحصيله وتكوينه بعافيةٍ، يشكل شرطاً مؤاتياً لاستشراف المستقبل بكل احتمالاته…”، وأول شرط التحصيل والتكوين “بعافية” تجنب انحباس الذاكرة على نصٍ خطي واحد لأن لمراحل التاريخ نهايات لا تقفل المرحلة على نفسها بالكامل ولكنها لا تدعها مفتوحة على كل الاعتبارات”.

“شيعياً على سبيل المثال أصبح من المنطقي أن يتساءل الشيعي: إلى أي مدى تبقى الظروف والمعطيات التاريخية للعصر الأموي والعباسي والمملوكي والعثماني والفاطمي والاستعماري حتى صالحة وحدها لقراءة الحدث أو المسار أو السيرة الشيعية؟ كيف يمكن لشيعي أن يقرأ عاشوراء مثلاً على فرضية يزيد بن معاوية والحكم الأموي فقط؟ والأسئلة الآن وفي الغد، في أوطان الشيعة (…) أصبحت عابرة للتاريخ الخاص وتتجه إلى عمومية إسلامية أو عربية أو مشرقية أو عالمية لا تلغي الخصوصيات لكنها تفتحها على أفقٍ أهم منها وأبعد مدى”.

“إن ذلك يفضي إلى قراءة أخرى مدققة للمباني الفقهية والعقيدية، باتجاه استيلاد أحكام فرعية مطابقة لأصولها ولكن ملامحَها وسماتِها المستجدة أكثر أهلية لملاءمة المستجد في شؤون المعرفة والحياة والاجتماع والسياسية” (ص71).

فقيهاً: لم يتطلّع السيد أن يكون فقيهاً مجتهداً أو مرجعاً مقلّداً، لكنه درس اشكالية المرجعية وتعددها مع قيام ولاية الفقيه العامة في بلدٍ قامت فيه دولة إسلامية شيعية هي إيران. يضع هذه الإشكالية في سؤال مهم، “كم هي مسألة منهجية أن تختزل العالم بالفقيه والعلم بالفقه، هذا التساؤل هو استكمال للفكرة المؤسسية في المرجعية بعد المستجدات الحياتية والمعرفية. فمن أين لنا أن نجد الشخص الفرد الملم بكل شيء، وقد تكلم علماؤنا باستمرار عن أهل الخبرة وعن الأحكام والموضوعات، لذلك ان من الواجب البحث في ضرورة أن يتكامل الفقيه والفقه بالعلم المدني على اختلاف الحقول والآفاق… (ص32 – 33).

وجيه كوثراني

الدكتور وجيه كوثراني

لكن الأهم أيضاً في موضوع المرجعية الدعوة إلى استمرار تعددية المرجعيات المقلّدة في العالم الإسلامي الشيعي، والتحذير من اختزالها تحت مظلة الولاية العامة الأحادية للفقيه.

يقول: “عندما ذهبنا إلى النجف لندرس فيها، عشنا في جو ديمقراطي متكامل. تعوّدنا أن نختار كتاب الدرس وزميل الدراسة ووقت الدرس، والأستاذ. وترسخت فينا هذه المسلكية الديمقراطية التي تصل إلى حد عدم فرض مرجعية على أحد، ومهما حاولنا تضييق نقاط التعدد تبقى خيارات الناس هي التي تجعل التعدد أمراً واقعاً، وهذا يأتي من تطبيق المعايير والشروط. ويمكن لهذه الديمقراطية، حتى في المستوى المرجعي أن نضع لها ضوابط أو أطراً تمنعها من الوصول إلى حد الفوضى، وذلك باعتماد الأسلوب المؤسساتي، بحيث نتلافى سلبيات التعدد الطبيعي لمنعه من الوصول إلى حد التعارض والتعاكس وتعطيل المصلحة، ونجعل المرجعية على درجة عالية من التنوع في الاختصاصات، أو أن تتكون حول كل مرجع نواة مؤسسية تتكامل مع المؤسسات الأخرى وتنسق بينها. (ص33).

..يتبع

 

آخر تحديث: 28 ديسمبر، 2015 2:44 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>