من كل الاعمار يستخدمون التواصل الاجتماعي للعلاقات

الرجال والنساء الذين يتعارفون ويتلاقون عبر الانترنت، وفي جميع أنحاء العالم، باتوا يُعدّون بعشرات الملايين، فقد استطاع الانترنت، خلال بضع سنوات، أن يعولم العلاقات الاجتماعية وأن يصبح الحقل الأوسع والمجال الأول للباحثين عن “النصف الآخر” في علاقات الصداقة والحب والزواج. يرى باسكال لاردلّييه أستاذ علوم المعلوماتية والتواصل في جامعة بورغونيه Bourgogne وصاحب مؤلَّف “القلب.نت، العزوبية والحب على الشبكة العنكبوتية” (Le Coeur net. Célibat et amours sur le Web, Belin, 2004) أن ما حدث في البلدان الغربية، مع بداية القرن الحادي والعشرين، كان شبيهاً بحدوث “ثورتين دفعة واحدة”:

فمن جهة أولى، كان هناك ارتفاع متزايد في أعداد العازبين والمطلقين، وقد تضاعف مرتين عما كان عليه قبل عشرين عاماً، ليبلغ 12 مليوناً في فرنسا وحدها؛ ومن جهة ثانية، وصل تغلغل الانترنت في حياة الناس الفردية والاجتماعية،?أنه تمكّن من اختراع قواعد وعادات اجتماعية لم يكن منتظراً قطّ أن تأخذ بها شرائح المجتمع وفئاته كافة. هذا التزايد – وفق دراسة لحسين قبيسي – في أعداد العازبين يُشير بوضوح إلى صعوبة العثور على النصف الآخر، بل إن هذه الصعوبةً تزايدت في العصر الحديث، على الرغم من تكاثر أساليب التواصل والانفتاح والاختلاط والتلاقي.. وتكاثر العوامل المتنوعة والمعقدة التي أسهمت في تطوّر العلاقات الزوجية التقليدية وتحوّلها من حال إلى حال؛ إذ يرى لاردلّييه أن العلاقات المدينية، والتحرر السياسي والاقتصادي رافقهما ظهور أمراض جنسية مختلفة، أشاعت الخوف والحذر في العلاقات الاجتماعية، التي كانت أساليبها قد أخذت تتخلخل منذ منتصف القرن الما?ي. كانت الظروف مهيّأة لكي يبدأ التعارف عبر الانترنت مع بداية التسعينيات.

ومنذ البداية، بدا الانترنت أنه، قبل كل شيء، آلة عملاقة لنسج الصلات والعلاقات بين الأفراد، حتى بات اليوم مصنعاً عملاقاً لمغامرات وعلاقات تفوق الوصف والخيال. تُشير الإحصاءات إلى أن عازباً من كل عازبين يستخدم شبكة التواصل الاجتماعي من أجل السعادة… عازبون، مطلقون، مراهقون، نساء، رجال، عمال، موظفون كبار، من جميع الأعمار وجميع الأوساط الاجتماعية.. يرى جان بول كوفمان صاحب مؤلَّف “الحب على الانترنت”  أن ذلك ينطبق أيضاً على جيل الكهول الذين تكونت عاداتهم التعارفية وفق نمط سابق على تكنولوجيا الاتصالات التي تربى عليها جيل الشباب الجديد، فالجميع يسعى للعثور على “نصفه الآخر”، والنساء أكثر من الرجال، ذلك أن هذه الطريقة الجديدة في التعارف، توفر أمناً نفسياً، وتُريح من صدمة الصدّ، فحاجز الخجل سقط وبات التعرف إلى شخص من الجنس الآخر أو “التحرّش” به يتخطى الخجل وغير ذلك من العقد النفسية، وبات عملاً مشروعاً ـ اجتماعياً ـ وتلك ثورة … على الرغم من تزايد مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت، وتكاثر السير الذاتية الخاصة بالمشتركين..

يبقى البحث عن السعادة شاقاً كمن يبحث عن “إبرة وسط كومة قش”. فمرحلة النشوة الأولى في العثور السريع على النصف الآخر، سرعان ما تليها مرحلة التوجّس والخشية التي تبدأ بـ”تصحيح” العلاقة الذي يُفضي إلى خرابها؛ فالحب من النقرة الأولى يشبه الحب من النظرة الأولى، وسقوط القلب في الشبكة العنكبوتية، يشبه السقوط في شباك الحب. والمرحلة الأكثر صعوبة في العلاقة عبر الانترنت ليست في العثور على لقاء بأحدٍ ما، بل في الاقتناع به، ?الحفاظ عليه، أي من دون أن يخالط هذه العلاقة تصور علاقة أخرى أفضل منها والرغبة الدائمة بالعثور على “آخر” أكثر كفاءةً وأقرب إلى القلب والعقل. حتى إن جان بول كوفمان Jean-Paul Koffman، الباحث في “المجلس الوطني (الفرنسي) للبحوث العلمية” (CNRS) يرى أن الانترنت قد عبّد الطريق أمام أخلاقية جديدة تماماً في علاقات التعارف والحب والزواج، أخلاقية ترى ألا ضيْرَ في أن يسلك المرء (والمرأة) أقصر السبل وأيسرها إلى.. السعادة”، فقد أدّى الانترنت ـ بتيسيره سُبُلَ التعارف والتواصل ـ إلى تسطيح علاقات الحب والزواج؛ …

 

آخر تحديث: 23 أبريل، 2014 8:46 م

مقالات تهمك >>